|
حساسية الغريب
إن الله سبحانه
وتعالى سيحاسبنا إذا علمنا ولم نعمل بما علمناه، والذي أثارني
لكتابة فكرة هذه الموضوع هو ما يكتبه الأخ الزميل الدكتور فؤاد
البناء في مذكرات طالب يمني في السودان وردود الأخوة الزملاء
السودانيين عليه، ولست هنا
في صدد الدخول
كطرف ثالث لنفس الموضوع، لكنني هنا أقوم بدور المستغل في طريق
السعادة من أجل المساهمة في معالجة مشكلة يمر بها كل غريب عن
وطنه وبالأصح عن قطره وبنفس الوقت محاولة تحديد بعض أسس
الوقاية لمن سوف يغترب لأن كل واحد منا لا بد أن يغترب ولو
من منطقة إلى أخرى في نفس بلده، وسنحاول في حلقتنا اليوم أن
نحدد المشكلة ثم نعرض بعض الأسباب وبعض أساليب العلاج في سبيل
توافق سعيد في الغربة عن الوطن.
المشكلة:
لاحظتها وعايشتها أثناء
دراستي في بغداد في جلسات الطلبة اليمنيين فلاحظت أن معظم
حديثنا يدور حول انتقادنا لكثير من عادات المجتمع العراقي فلم
نكن راضيين عن كثيرمن
طرق التعامل، ثم يصحو ضميرنا ونشعر بالذنب وتقرصنا قيم العرفان
بالجميل فنعدل بعض حديثنا بقطرات من الثناء، وعند عودتي إلى
اليمن ولقائي ببعض الأخوة والأصدقاء المقربين من العراقيين
المقيمين في اليمن كنت أسمع كثيراً من النقد وعدم الرضا عن
كثير من عادات وسلوكيات المجتمع اليمني، وكأن جلسات الزملاء
اليمنيين في بغداد هي نفسها جلسات الزملاء العراقيين في اليمن
وهاهي تتكرر المشكلة في سلسلة الأخ الدكتور البناء وتتكرر
أيضا في ردود الأخوة الزملاء السودانيين، ولا أقصد من حديثي أن
هدف الجميع تفريغ شحنات مكبوتة أو نوع من التسامي فحسب فربما
توجد أهداف قيمة أخرى هذا مع تسجيل إعجابي بالسلسلة بغض النظر
عن المكان فلا فرق لدي بين السودان واليمن والعراق وغيرها من
بلاد الله العربية والإسلامية، إضافة إلى ذلك قمت بالتأكد من
حدوث المشكلة من خلال حلقة مصغرة لمجموعة من الزملاء الذين
حصلوا على شهادة الماجستير والدكتوراه في بلدان مختلفة
(مصر-الأردن- السودان-العراق)
عن هذه المشكلة فصبت إجاباتهم بنفس المصب، وبهذا تتحدد المشكلة
بأن كثير من المغتربين عن أوطانهم لا يشعرون بالرضا عن كثير من
سلوكيات وعادات وقيم المجتمع الذي يستضيفهم، فما السبب ؟ هل
السبب لدى المجتمعات نفسها ؟ أم هناك أسباب أخرى ؟ وهل تتساوى
الحالة في جميع المجتمعات ؟ أم هناك فروق بين مجتمع و آخر ؟
الأسباب –
أو ما الذي يحدث
؟
لماذا يشعر الغريب بالضيق ليس من كل ولكن
من معظم سلوكيات البلد المقيم فيه أثناء غربته ؟
ومن ثم
ينعكس على توافقه وشعوره بالضيق،فهل المجتمعات هي السبب ؟ أم
السبب يكمن فينا نحن ؟ يركز معظم الناس على أن السبب في
المجتمعات نفسها ولا يتنبهون أن هناك أسباباً نفسية تلعب دوراً
كبيراً في تقييم الشعوب.
وسوف
نتحدث عن بعض الأسباب التي وضعتها نصب عيني عندما كنت في غربتي
بعد انجراري في تيار الضيق والتوتر لأسباب ليست حقيقية وأفادني
تخصصي في هذه المشكلة إضافة إلى ثقافتي الإسلامية المتواضعة
مع بعض التأمل والبحث، واليكم أيها الأعزاء من كل قطر عربي
وإسلامي بعض هذه الأسباب.
أولاً: الاختلاف:
لا شك أن قواسم كثيرة تجمع
البشر في جميع بلدان العالم وتقترب هذه القواسم أكثر بمساعدة
عناصر تقارب مثل الدين واللغة والجغرافيا والتاريخ و … ولكن
تظل هناك بعض الاختلافات في القيم والعادات ونمط التفكير
والنظم السياسية والاجتماعية وغيرها وعندما تحدث مواجهة بين
الأشياء المختلفة أو المتضادة يحدث سوء التوافق النفسي
والاجتماعي والوظيفي والدراسي للفرد… الخ أي أن من أسباب عدم
التوافق الاختلاف.
ثانياً: الاعتقاد الخاطئ:
ويعتقد كل إنسان ينتمي
لمجتمع من المجتمعات أن القيم والعادات التي يحملها صحيحة وما
يناقضها خطأ وأعني هنا بالقيم التي ليس معيارها ثابت كالمعيار
الديني، وغالبا
لا يتخيل الفرد منا أن قيم الآخرين المعاكسة له قد تكون اصح
مما يحمله (فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ….).
قالت لي إحدى
الأخوات العراقيات والتي كانت زوجة لأستاذ جامعي في الأسبوع
الأول من دخولي العراق: صحيح أن اليمنيات متخلفات لا يلبسن
مثلنا ؟ فنظرت إليها حيث كانت ترتدي (جونلة) قصيرة إلى ما فوق
الركبة، ولا يعني أني أتحدث عن المرأة العراقية فنسبة
الاحتشام في العراق كبيرة ولا يعني أني أسيئ لتلك المرأة
السافرة بحكم العادة فهذا ليس موضوعي ولكن أتحدث عن التناقض في
الموقفين ففي الوقت الذي كنت انظر إلى ما تلبسه أنه نوع من
السطحية والتخلف كانت تنظر هي إلى الاحتشام تخلفاً.
وكذلك عندما قالت لي زميلتي
العراقية بلهجة سخرية : أصحيح أنه في اليمن يجتمع أكثر من شخص
ليأكلوا بأيديهم من طبق وأحد ؟ فأجبتها وهل صحيح أن جماجم
الخراف ترص في أبواب مطاعمكم أسابيع بصورة مخيفة ومقززة لما
تسمونه (الباشا) وأدركت حينها أن ردي كان انفعالياً وسخيفاً
حينها تذكرت والدي عندما كان يتقزز من والدتي وهي تأكل الوزف
(سمك صغير يؤكل ني) ويقول لها كيف تأكلين سمكاً صغيراً
كالديدان برأسه وأمعائه وهو ني؟
وتذكرت أن بلد الفن والجمال
والعطور والموضة فرنسا تأكل الضفادع، والصين تأكل كل شيء في
الجو عدا الطائرات وكل شيء في البحر عدا السفن وكل شيء في البر
عدا الإنسان. وسألت نفسي من على صواب ومن على خطأ ؟ ومن أحسن
ممن ؟
-
الحقيقة أننا نُطبع منذ طفولتنا على عادات وقيم
وسلوكيات نألفها ونعتادها ولم نناقشها فهي بالنسبة لنا
كالمسلمات والحقائق وهذا هو سبب عدم تقبلنا لعادات الآخرين
لأنها لا تتفق مع عاداتنا بل لا نتقبل الأشخاص أنفسهم بسبب
قيمهم التي نرفضها لسبب غالباً ما يكون غير صحيح ونعتقد أنه
صحيح.
والأمثلة السابقة توضح ذلك وإن
كانت على الأطعمة لأنها سهلة الفهم وأبعد عن إثارة الحساسيات
البعيدة عن موضوعنا ولكن تستطيع عزيزي القارئ أن تعمم هذه
الأمثلة على القيم والعادات والنظم وغيرها.
3- النقص في المعرفة النفسية:
وعندما تصطدم قيمنا بقيم
الآخر وعاداته سوى أكان شخصاً أو مجتمعاً فنحكم على قيمه أنها
خاطئة ثم نحكم عليه نفسه أنه خاطئ وسبب ذلك حمله لهذه القيم
والعادات التي نعتقد أنها خاطئة لا لشيء إلا لأنها تناقض قيمنا
التي نعتقد أنها صحيحة ولا نعلم من أين أتينا بهذا الحكم الذي
يجعل قيمنا وسلوكياتنا صحيحة وقيم وسلوكيات الآخرين خاطئة
والحقيقة التي نجهلها أن السبب هو تطبعنا عليها ، فيبدأ النقد
وسوء التوافق العام وعدم الرضا.
4- تعميم التجربة الخاصة:
قد تحدث لنا مشكلة أو تجربة
مؤلمة في مجتمع ما تجعلنا ننظر إلى هذا المتجمع برمته نظرة
سلبية وهذه سمة من سمات البشر وهي التعميم وخاصة عندما تكون
التجربة مؤلمة.
5- الحقوق غير الكاملة:
لكل إنسان مجموعة من الحقوق
في مجتمعه حتى وإن حرم من بعضها فهو يعرف أن من حقه المطالبة
بها، أما عندما يهاجر إلى مجتمع آخر فإن هذه الحقوق تتناقص فهو
يخاف أن يدلي برأيه بشجاعة (يا غريب كن أديب) لهذا يقول الإمام
الشافعي:
إن الغريب له مخافة سارق
وخضوع مديون وذلة موثق
فإذا تذكر أهله
وبلاده ففؤاده كجناح طير خافق
كما أنه لا يستطيع التفاعل
بحرية كاملة في مجتمع يصنف أنه لا ينتمي إليه رغم أنه يعيش فيه
سنوات، فكيف يعيش في مجتمع يقمع تفاعله فيه إلى حد ما ؟ كما
أن غِيرة أبناء البلد المضيف تطارده إذا غنم أكثر مما يغنمون
وأشياء كثيرة لا يشعر بها إلا المغترب ولا يتقبل معظم
المغتربين هذا التغير ولا يستطيعون التنازل نفسيا وان تقبلوه
أحياناً عقليا.
لهذا يقولون:
بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن بخلوا عليا كرام
6- الفردوس المفقود:
(نعيب زماننا والعيب فينا)
هذا الشطر ينطبق أيضاً على المكان فنحن عندما نهجر أوطاننا
فترة من الزمن نشعر أننا فقدنا الفردوس فكل السلبيات في وطننا
تتحول إلى إيجابيات حتى أننا نتخيل أن الشمس في بلادنا أكثر
إضاءة وإن الوجوه جميعها باسمة كما يحدث لنا عندما نعتقد أن
الطفولة سعيدة وإننا كنا سعداء في طفولتنا وهذا موضوع طويل
وبالمقابل يكون البلد الذي اغتربنا فيه وهجرنا الفردوس إليه هو
الجحيم بعينه هذا الحديث ينطبق على قمة المأساة.
7- وللمجتمع الذي نغترب فيه
دور:
ويواجهنا سؤال آخر وهو هل هناك
مجتمع أفضل من مجتمع بحيث يشعر فيه الغريب بغربة أقل من مجتمع
آخر ؟ وما مواصفات المجتمعات الجيدة ؟ وهل المدنية أفضل من
البدائية ؟ وتكون بعض الإجابة بتعجب وهو: لماذا ظهر أدب عربي
بأمريكا اسمه أدب المهجر ينوح ويصرخ كآبة وشوقاً إلى الطبيعة
في الشرق هرباً من المدنية الأسمنتية والآلية فيقول جبران:
أعطني الناي وغني فألغنا سر الوجود
وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى
الوجود
ومع ذلك فإن هذا الأمر يعود
إلى سمات الشخص نفسه فالمؤمن الملتزم يعاني ويجاهد في بلاد غير
المسلمين بينما من يبحث عن اللهو ربما يكون عكس ذلك توهماً،
إذاً فأغلب الأسباب تعود إلى الفرد نفسه وبعضها تعود لظروف
مجتمعه كالمجتمع العراقي الذي فرضت على أبنائه الهجرة بصورة
مفاجأة دون مقدمات ودون خلفية ثقافية عن الهجرة كالمجتمعات
التي توارثت الهجرة وكسبت نصائح وأمثال وحكايات عن الاغتراب،
ولكن ليس القضايا بأكملها تنبع من نفس الفرد أو من مجتمعه
فللنفوس المقابلة دور فالمجتمعات تختلف في تقبلها للغريب وهذا
يعود لثقافتها ونظمها السياسية والاجتماعية وتجاربها وانطباعها
وعلاقتها ببعض الشعوب فهذه ألمانيا أسست فيها جمعيات لطرد
الغرباء، وهناك مجتمعات مغلقة ومجتمعات مفتوحة ومجتمعات
ديمقراطية وأخرى دكتاتورية.
العلاج:
عزيزي القارئ لن أطيل ولكن
هنا سيكون الاختصار لنقاط شرحت عند ذكر الأسباب ويمكن تحديد
النقاط التالية كمساهمة متواضعة لعلاج هذه المشكلة والتخلص من
هذه المشاعر المؤلمة:
إذا فهمنا الأسباب الحقيقية
وراء عدم توافقنا يكون هذا جزء من العلاج لمشكلتنا فإذا
فهمنا ما يلي:
أ- من
الطبيعي أن تختلف المجتمعات في نظمها وقوانينها وعاداتها
وقيمها.
ب- إننا
نعتقد أن قيمنا جميعها صحيحة وهذا غير صحيح ونحن نعتقد ذلك
بسبب ترسخ هذه القيم في نفوسنا منذ نعومة أظافرنا ولم نناقشها
منذ ذلك الحين، ولذلك علينا أن لا نتعصب ضد قيم الآخرين بمعيار
قيمنا المكتسبة .
ج- إذا كانت بعض قيمنا ثابتة
وصحيحة فبالإمكان أن نرفض قيم الآخرين ولكن لا يعني هذا أن
نرفض الآخرين أنفسهم بسبب قيمهم وعاداتهم المعاكسة لنا لأنهم
اعتادوا على هذه القيم والعادات وليس لهم ذنب مباشر في تبنيها.
د- عدم ترك تجربة معينة نؤثر
على انفعالاتنا لأنها ستؤثر على أفكارنا وتصرفاتنا وسنلجأ دون
وعي إلى التقييم الخاطئ والتعميم الذي سينعكس على توافقنا.
هـ علينا النظر إلى الإيجابيات
ومكامن الجمال والاستفادة من المجتمع الذي نغترب فيه وهذا من
أجل أنفسنا، كما أن بعض ما نراه سلبياً في وقت ما قد نراه
إيجابياً في وقت آخر فكن جميلاً ترى الوجود جميلا) ويقول
الأمام الشافعي أيضاً:
تغرب عن الأوطان في طلب
العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتســاب معيشــة
وعلم وآداب وصحبـــة ماجد
و – المرونة وقبول التنازلات
عن حقوقنا والتي كنا نجدها كاملة في أوطاننا، لأن من ضمن أسباب
تعاستنا وعدم رضانا هو خسارتنا لبعض ما كنا نتمتع به في
أوطاننا فنظل نقارن أنفسنا بما كنا نملك وكيف نحن الآن وهذا من
طبع الإنسان وإلا لما أصيب التاجر الخسران بجلطة قلبية عند
حدوث خسارة مفاجئة فلو تذكر جيداً انه كان لا يملك المال قبل
أن يصير غنياً لما خسر حياته.
ز – البحث عن القواسم المشتركة
بين مجتمعنا والمجتمع الذي يستضيفنا ففي كل الشعوب توجد قواسم
مشتركة ونحن كمسلمين يجمعنا قاسم مشترك قوي يشمل جميع جوانب
حياتنا وأما الاختلاف فيعود لعادات بسيطة يجسمها الغريب
للأسباب النفسية السابقة وغيرها.
ح – كما أننا يجب أن نعرف أننا
غرباء في الحياة الدنيا وأن الأرض كلها أرض الله
ونذكر ما ينسب لزيد العابدين
بن علي:
ليس الغريب غريب الشام
واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن
إن الغريب له حق لغربته
على المقيمين في الأوطان والسكن
الخاتمة:
وأخيراً أحب أن أؤكد أن
هذا المقال لا علاقة له بما يكتبه الزملاء وإنما أثار مشكلة
عالقة تخص معظم الغرباء عن أوطانهم والذين قد يصابون بالاكتئاب
وحاولنا إظهار الأسباب متجهين لمحاولة علاج المشكلة في طريقنا
الذي لا ينقطع بالبحث عن السعادة عن طريق مكافحة أسباب الضيق
والقلق والاكتئاب والله من وراء القصد ونودعكم بقوله تعالى:
(إن خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله
اتقاكم)
البداية
|