كبسولات نفسية

 

عزيزي فيما يلي عدد من الكبسولات التي تساعدك على التغلب على مشكلتك وتقلب مزاجك من

الضيق إلى السعادة ان شاء الله وقبل هذا كله الإيمان بالله سبحانه وتعالي والتوكل عليه

شروط نجاح الكبسولات التالية :

1- الرغبة الحقيقية في تحسين حالتك .

2- التأني في قراءة ما بها وفهمها فهما جيدا .

3- أن تمارس وتكرر ما فهمته دون كسل وملل إلى ان تصبح عادة من عاداتك ان شاء الله مبروك

الكبسولات :

 الكبسولات

 

مقدمة

1- عقلك في رأسك تعرف خلاصك  (حياتك من صنع أفكارك)
2- السعيد من اعتبر بغيره
3- الحرمان يولد السعادة
4- اقله أيش لو قال ما حبك ( ماذا تفعل عندما لا يحبك من تحبه ؟ )
5- أعمل الخير وارميه البحر  ( ماذا تعمل عندما يخونك الأعزاء ؟ )
6- القناعة كنز لا يفنى     ( عندما تشعر بالحزن لعدم حصولك على شي )
7- خير الأمور الوسط
8- رب ضارة نافعة  ( كيف تستفيد من المصائب ؟ )
9- أنشطة تجلب السعادة
10- فهم الناس من خلال قيمهم
11- كبرها تكبر صغرها تصغر
12- تعلم فن العلاقات
13- إذا عرف السبب بطل العجب  (الشك) ( أسباب الشك وعلاجه )
14 - لا تكن يابسا فتعص
15- حساسية الغريب (لا تشعر بأنك أقل من الآخرين لا يوجد إنسان أحسن من إنسان إلا .. )
16- نعيب  زماننا والعيب فينا
17- رمضان والسعادة
18- العيد وفرصة ا لسعادة
19- خطوات مختصر لمواجهة الضغوط
 

البداية

 

 

مــقــدمــة :

الأمثال الشعبية هي خلاصات للتجارب الإنسانية للشعوب وهي تحاكي الواقع وتحلله وتفسره للعمل بها ------ بها وهي بمثابة إرشاد وتوجيه نفس للأفراد ذو الخبرات المحدودة للعمل بها ووضعها في الحسبان وللاستفادة منها في حياتنا اليومية بهدف الحياة السعيدة والتي تعتبر المطلب الأول والأخير في حياتنا العامة والاجتماعية فالأمثال الشعبية لها فوائد وأهمية كبرى في توجيه الذات وفي فهم أنفسنا وحياتنا.

هذا المقالات تقوم بالدراسة والتحليل من المنظور السيكولوجي لبعض الأمثال الشعبية وتشخيص مراميها وتقدم الوصفات العلاجية النفسية لبعض المشكلات الاجتماعية المرتبطة بها.

وهدف الكتاب بموضوعاته والعلاجات النفسية المنتظمة في الموقف الحياتية هو من أجل تحقيق السعادة والتخفيف من بعض الأمراض النفسية مثل القلق والاكتئاب والملل والشكوه والحرمان والانفصال في الشخصية والأنانية والتسلط. لذا ننصح القارئ بقراة المقالات  قرأه متأنية تحليلية وربط محتوى الموضوعات بمواقف مختلفة في كل حياتنا العامة والاجتماعية، ونقصد من ذلك استفادة القارئ من جراء التحليل النفسي لبعض الأمثال الشعبية وأوجه العلاج النفسي لبعض المشكلات النفسية.  والله الموفق

د. مهيوب هادي  - جامعة تعز

 

   البداية

 

 

 

عقلك في رأسك تعرف خلاصك

ما السعادة ؟

اختلف كثير من الناس في تعريف السعادة، والطرق التي تؤدي إليها، إلا أنهم اتفقوا بأنها هدف كل إنسان عبر الزمان والمكان وأي كان، بهذا تحدث عنها الفيلسوف والأديب وعالم النفس وعالم الدين والاقتصاد والسياسة، وعندما وجهت سؤالاً لعدد غير قليل من الناس من مختلف المستويات والتخصصات والأجناس عن ماهية السعادة فكانت إجاباتهم إنها الرضى عن النفس، القناعة، ارتياح الضمير، رؤية الناس سعداء، التوافق مع الذات والآخرين، تحقيق الذات، تحقيق الأهداف، وجدت هذه التعريفات في عدد من المؤلفات الأدبية والفلسفية وغيرها إلا أنني أرى أن هذه التعريفات ليست تعريفات للسعادة وإنما هي طرق الوصول إلى السعادة من وجهات نظر مختلفة، وأرى بأن السعادة تقترب من الشعور الوجداني بالارتياح والبهجة والسرور، وهي لحظات غير دائمة أو متصلة في حياة البشر، والإنسان السعيد هو الذي يمر بلحظات سعيدة أكثر نسبياً من الإنسان غير السعيد أي الذي يمر بلحظات سعيدة أقل، والسعادة ليست معكوس التعاسة فالإنسان قد لا يكون سعيداً وبنفس الوقت لا يكون تعيساً، فقد نسأل أحد الأشخاص هل أنت الآن سعيد، فيجيب (عادي) أي لست بسعيد ولست بتعيس، وهذا يجعلني أن أضع ثلاث مراتب للمشاعر المرتبطة بهذا المفهوم، المرتبة الأولى وهي مرتبة التعاسة وبها درجات، والمرتبة الثانية هي المرتبة الوسطى وهي عدم الشعور بالسعادة والتعاسة، والمرتبة الثالثة وهي مرتبة السعادة وبها درجات، وبالتالي فإن شخصاً ما قد يحقق هدفاً من أهدافه ولا يشعر بالسعادة، وقد يعود ذلك إما للهدف نفسه ودرجة أهميته لدى هذا الشخص، أو يعود للشخص نفسه، وأخر قد يكون راضياً عن نفسه لكنه يشعر بملل مميت، وأخر قد يكون متوافقاً مع ذاته والآخرين وعمله وأسرته وملتزماً بنظام يرتب حياته ولا يشعر بالضيق غالباً ولكنه بنفس الوقت لا يشعر بطعم السعادة في معظم أوقاته، إذا كيف يكون الإنسان سعيداً ؟

طرق السعادة:

وبما إن معظم الناس يشعرون في أوقات متفاوتة بضيق وقلق وحزن واكتئاب ويحاولون التخلص من هذه المشاعر الأليمة فيتبعون طرقاً مختلفة، وبعض هذه الطرق تؤدي إلى تقليل وتخفيف القلق والضيق وتولد السعادة، والبعض الآخر يؤدي إلى مزيد من القلق والضيق ويصل بالفرد إلى التعاسة والشقاء.

وطريقنا في هذه الحلقة هو التفكير العقلاني الواقعي، وهو أسلوب ينطلق من المقولة الشهيرة (حياتك من صنع أفكارك) وفحوى هذا الأسلوب أن أسباب الضيق والاكتئاب والقلق تعود إلى طريقة تفكير الفرد، فهناك أفكار غير عقلانية تؤدي إلى الضيق وأفكار عقلانية تقينا من القلق والضيق وتخرجنا من حلقته وتحول حياتنا إلى سعادة وهناء، فالفكرة التي تستولي على تفكيرنا تولد انفعالاً ومشاعراً تدفعنا إلى السلوك الذي يتناسب مع  الفكرة والمشاعر (فكرة  > انفعال > سلوك) وإليك أيها القارئ الكريم المثال التالي:

عاد رجل من الغربة بعد إن جمع مالاً وسبق له إن تقدم لخطبة فتاة وعندما بدأ في التجهيز للزواج اخبره والد الفتاة إن ابنته تطلب فسخ الخطبة. فكيف سيكون رد فعل هذا الشخص ؟ ربما يكون واحداً من الاحتمالات الآتية:

  1. إذا فكر وقال لنفسه أنها رفضتني بعد أن نصبت علي وأنها تسخر مني، سيكون شعوره الغضب وسيدفعه ذلك إلى العدوان عليها سواء بالفظ أو الفعل.

1-      إذا فكر وقال لنفسه أنها رفضتني لأنني غير جذاب وغير مقبول سيكون شعوره الحزن والاكتئاب وسيدفعه هذا الشعور إلى الانطواء.

2-     إذا فكر وقال لنفسه أن سبب رفضها لا يعود لشخصي وإنما لظروفها الخاصة ومن حق أي إنسان أن يقبل أو يرفض شريك حياته، ولا يعني أن رفضها لي أن الأخريات سيرفضنني، سيكون شعوره خال من القلق والضيق إلى درجة ما. فإذا قارنا الأساليب الثلاثة السابقة سنجد أنها وصلت إلى نتائج مختلفة من المشاعر والأفعال، ونجد أن التفكير الأخير نتج عنه انفعال هادئ خال من القلق والاكتئاب على عكس التفكير الأول والثاني، ونستنتج من هذا أننا إذا فكرنا تفكيراً سليماً عقلانياً وواقعياً لخلصنا من كثير من المشاعر الأليمة التعيسة ولنجونا من أثار الانفعال الذي قد يضاعف أحزاننا فالغضبان قد يعتدي وإذا اعتدى سيعتدي عليه أو يعاقب وبالتالي يطول مسلسل التعاسة ويتفاقم. وعليك أيها القارئ الكريم أن تتبع الخطوات التالية للخلاص من الضيق والقلق والاكتئاب عندما تقع في مشكلة تسبب لك ذلك.

خطوات معالجة حالات الضيق والقلق والاكتئاب:

ومن المثال السابق يمكن أن نتبع الخطوات التالية:

أولاً: حدد الموقف المرتبط بحالة الضيق (رفضتني كخطيب لها)

ثانياً: كيف فسرت الموقف ؟

1-    رفضتني لأنها تسخر مني.

2-     رفضتني لأنني لست مقبولاً.

3-     رفضتني لسبب يعود إليها، وهي معذورة وعليا أن أتعلم من أخطائي.

ثالثاً: حدد التفسيرات السلبية (وهو في المثال السابق رقم (1) ورقم (2))

رابعاً: سجل المشاعر التي شعرت بها نتيجة للتفسيرات السلبية (وهي الغضب والقلق وكذلك الاكتئاب والحزن)

خامساً: سجل النتائج السلوكية التي قد تنتج عن التفكير السلبي (وهي العدوان باللفظي أو الفعل وكذلك الانطواء)

سادساً: ادحض الفكرة السلبية (بما أنك عرفت نتائج الفكرة السلبية في الانفعال المؤلم وكذلك السلوك الخاطئ المضر عليك رفض هذه الفكرة واستبدالها بفكرة عقلانية وأكثر واقعية تؤدي إلى الارتياح النفسي والسلامة.

سابعاً: فسر الموقف بعد دحض الفكرة السلبية تفسيراً عقلانياً (أي بدل الأفكار السلبية الضارة بأفكار إيجابية ولتكن الفكرة رقم (3) في المثال السابق.

ثامناً: سجل المشاعر المصاحبة للتفسير العقلاني (كأن تقول أشعر بالأسف لتفكيري الخاطئ الذي سيقلق راحتي ويؤرقني بأشياء أنا بغنى عنها، والآن أشعر بالارتياح وسأتعلم من أخطائي.

تاسعاً: سجل النتائج السلوكية الناتجة عن التفسير العقلاني (كأن تتخذ قراراً بتجاهل الموضوع فهو لا يستحق العناء لأن لكل إنسان الحق في اختيار شريك حياته، وليس بالضرورة أن أكون مقبولاً من كل الناس.

وأخيراً: عليك أيها القارئ الكريم أن تطبق هذه الخطوات باستمرار في حياتك اليومية وستجد صعوبة في البداية ولكن مع التكرار ستصبح عادة سهلة تلمس نتائجها بشكل ملحوظ.           

   البداية

 

 

السعيد من اعتبر بغيره

أن ما دفعني للاهتمام بهذا الموضوع هو مثل كنت اردده في ظرف قاس كنت أمر به وهو: (على الباغي تدور الدوائر) حينما كنت اشعر بألم الظلم وجبروت الظالمين، فكنت انتظر متى ستدور الدوائر على الباغين إلى أن دارت، وهذا ما جعلني أطلب من طلبتي كتابة أمثال شعبية تخفف من توترهم النفسي في لحظات القلق والضيق ولأتعرف على الأمثال السائدة لدى الشباب وكذلك التعرف على ما إذا كانت الأمثال تختلف لدى الإناث عن الذكور وغيرها من المتغيرات.

وقبل الحديث عن مثل الحلقة أحب أوضح أن المثل الشعبي هو مقولة متكررة على السنة الأفراد بعبارة خفيفة وغالبا ما تكون موزونة أو مقفاة بكلمات قليلة بلهجة شعبية تحمل معنى كبير يتكرر في حياة الناس فيستخدم للعضة والعبرة والنصح وغالبا ما يكون المثل ناتج عن تجربة معينة أو حادثة معينة ثم تعمم بكلمات قليلة ليستفيد منها الآخرون، وكلما تكرر المثل على الألسن كلما كان أكثر تعبيرا على صدق ما يحتويه وعلى شدة الحاجة التي يعبر عنها وانتشارها، ونلاحظ أن الأمثال موجودة لدى جميع الشعوب ومختلف الثقافات كما أن الأمثال تتكرر بنفس المعنى في ثقافات مختلفة وإن اختلفت اللغة أو الألفاظ لأنها تعبر عن تجربة إنسانية لما هو مشترك بين الناس من مشاعر وأفكار وسلوكيات متعددة فالإنسان يتعرض للخيانة في كل مكان ويقع في فخ الثقة العمياء ويقع في الخسارة نتيجة التشدد والتحذلق أينما كان،  وعلى سبيل المثال التطرف يؤدي إلى وقوع الفرد في الخطأ فإذا أكثر الإنسان من كلامه وأصبح ثرثاراً فان قيمته بين الناس تقل فنقول:  (من كثر هداره قل مقداره) وهذا السلوك ليس حكراً على شعب من الشعوب إنه يخص كل إنسان مهما اختلفت ثقافته أو لغته

 واكتفي بهذه المقدمة التوضيحية لكي لا يتحول المقال الذي ابغي أن يكون خفيفا إلى كلام نظري جاف وأعود إلى مثل الحلقة وهو: (السعيد من اعتبر بغيره).

ويعني أن الإنسان الذي يستفيد من تجارب الآخرين لا يقع في الخطأ الذي وقعوا فيه إن كانت التجربة التي استفاد منها أودت بأصحابها إلى الهلاك أو ضرتهم بصورة ما والنتيجة أن لا يتألم كما تألموا وبالتالي يكون سعيداً وبالمثل إن كانت تجربة ما جعلت أصحابها سعداء فانه سيستفيد منها ويفعل كما فعلوا ويسعد كما سعدوا وأما الذي لا يستفيد من تجارب الآخرين فانه إذا مر بموقف ما فانه سيسلك سلوكا خاصاً به لمعالجة الموقف قد يكون عن طريق المحاولة والخطأ أو باستخدام تفكير ناقص فقد تكون النتيجة وقوعه بنفس الخطأ الذي وقع فيه آخرون ولم يستفد منهم.

انظر عزيزي القارئ كيف كان الحديث عن مثل مكون من أربع كلمات بخمسة اسطر وبهذا ندرك كيف كان المثل إشارة وتلميح وتكثيف لمعنى كبير وحديث طويل وخلاصة لقصص وحوادث يذكر في لحظات قصيرة ليتذكره الشخص بسرعة الرصاصة وبألفاظ جميلة وممتعة فتفتح له معاني كثيرة وتكون النتيجة هي الارتياح من خلال ما يحمله المثل من مواساة أو نصح أو غير ذلك.

ومثلنا الحالي يحمل معنى إرشادي عظيم إن فسر تفسيرا صحيحا فإذا اقتنع أي شخص بهذا المثل وعمل به ودرب نفسه على الاستفادة منه عن طريق ملاحظة وتأمل تجارب الآخرين والاستفادة منها لأصبح إنساناً خبيرا بالحياة من خلال تقييمه لخبرات الآخرين تلك الخبرات التي يراها بعينية ويسمعها بأذنه ويقرأها في تاريخ البشر فيكون قد اختصر تجارب الكثير وكأنه عاش مئات السنين عكس من يمر بخبرات محدودة بنفسه فقد يعرض نفسه للخطر وللخطأ ولسوء التوافق الاجتماعي والنفسي من جرأ هذه الأخطاء التي يقع فيها بسبب قلة خبرته في الحياة لأنه إنسان يرى خبرات الآخرين وكأنه لا يراها، وهذا المثل يرتبط بأمثال كثيرة فمن يتأمل تجارب الآخرين سيعرف على سبيل المثال أن (الدهر هبة بهبة) من خلال مشاهدته أن الكراسي التي كانت تحمل أصحابها أصبحت تحمل أشخاصا آخرين، وأن هناك أناس كثيرون تآمروا على أخوتهم وكانت النتيجة أنهم أصبحوا هم الخاسرون (على الباغي تدور الدوائر) وأن الناس الذين يكذبون يكشفون مهما طالت الكذبة (من اصطبح بكذبة ما تغدى بها) والنتيجة أنهم يلامون ويعاقبون، وهكذا فالحديث يطول والحياة مليئة بالتجارب فلا داعي لأن نكثر من الحديث التافه ونتكلم ولا نسكت حتى يملنا الآخرون ونتعلم أن الثرثرة تجعل الآخرين ينفرون منا بل ربما نجد أن الآخرين قد نفروا منا بسبب ثرثرتنا ولا نعرف.

وخلاصة القول لكي نكون سعداء من خلال هذه المثل علينا أن نتأمل تجارب الآخرين وندرب حواسنا وعقولنا على عملية التأمل والتقييم والربط الصحيح فتكون شخصيتنا نبيهة ومتيقظة فنتعلم من أخطاء غيرنا وكذلك نستفيد من تجاربهم التي قادتهم إلى النجاح في شيء ما ولكن علينا أن نقيم تلك التجارب بحذر دون ربط السبب لغير المسبب.فهل ستختصرون الزمن ؟

   البداية

 

 

الحرمان يولد السعادة

تم الحديث في الموضوع الأول عن مفهوم السعادة وسواء نظرنا إليها من جانب الشعور بالرضا، أو راحة الضمير أو الشعور بالبهجة والسرور والنشوة، والأخير ما أميل إليه في هذه المقالة، فهي تظل هدفاً للإنسان، الذي يستمر في البحث عن الطرق المؤدية إليها.

ويعتقد البعض أن السعادة هي الحصول على شيء ثمين وكلما زاد ثمنه كلما كان سبباً لزيادة درجات  السعادة، فالسعادة تكمن لديهم في قصر عبد الملك بن مروان وجيوش هارون الرشيد وكنوز قارون، ويرى البعض الآخر أن السعادة سلوه خاطر بحق يحمله، وانشراح صدر لمبدأ يعيشه، وراحة قلب لخير يكتنفه، والحقيقة أن مصادر السعادة نسبية تختلف من شخص إلى أخر و تختلف لدى الشخص الواحد في أوقات مختلفة ومراحل عمرية مختلفة فإذا خُيرت طفل بين سيارة كبيرة و لعبة لربما اختار اللعبة،وتختلف أيضاً من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، إلا أن هناك أسباب عامة كأن يتمتع الفرد بصفات عقلية واجتماعية ووجدانية وجسمية تجعله راضياً عن نفسه مشبعاً لحاجاته من الغذاء والأمن واحترامه لنفسه واحترام الناس له ومحققاً لذاته مستمتعاً بالمعرفة والجمال، وطرق تحقيق السعادة كثيرة جداً ولكننا سنتناول في هذه الحلقة أسلوبين إضافة إلى الأسلوب الذي تناولناه في الحلقة الماضية. ولان الأسلوب المناسب لعلاج الضيق والتوتر الجالب للتعاسة يعتمد على السبب الذي أدى إلى هذا الضيق فإن التركيز في هذه الحلقة سيكون على سبب عادة ما يسبب الضيق والتوتر والحزن وهو  الملل، ولهذا تحاول هذه الحلقة الإجابة على السؤالين التاليين:

1-    لماذا يقضي الملل على السعادة ؟

2-   ما الأساليب التي يمكن من خلالها التغلب على أثار الملل على حياة الإنسان السعيد والتي ويحولها إلى تعاسة مؤلمة ؟

الملل:

يسيطر الملل على حياتنا فيوّلد الكآبة نتيجة أسلوب حياتنا الرتيبة ورؤيتنا إلى ما حولنا بتكرار وبنظرة واحدة فنحن نمل من طعامنا ومن عملنا ومن سياراتنا ومن منازلنا ومن أصدقائنا وأزواجنا ومدينتنا، إذا لازمنا كل هذه الأشياء بتكرار دون تنوع فنصل في مرحلة من المراحل إلى انعدام شيء ما يسبب لنا الفرحة والبهجة والسرور، فالنفس الإنسانية خلقها الله سبحانه وتعالى ملولة ولهذا فقد خلق من حولها أشياء متنوعة من حيث الزمان والمكان والأطعمة والأشربة والليل والنهار والحر والبرد والجبل والسهل والحلو والحامض ((يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه))  ((صنوان وغير صنوان))  ((متشابه وغير متشابه)) ((وتلك الأيام نداولها بين الناس)) وقد مل بنو إسرائيل من أجود طعامهم  ((لن نصبر على طعام واحد)) والإنسان المعاصر رغم تعدد المثيرات حوله إلا انه يشكو ويقول ما لذي سيجعلني سعيداً ؟ ولاشيء جديد في حياتي يسبب لي السعادة ؟ فالوجوه نفس الوجوه والمكان نفس المكان والحياة تسير على وتيرة واحدة.

ولقتل الملل ومن نفس الأشياء التي مللنا منها والتي غالباً ما نكون غير قادرين على الخلاص منها أو تغييرها أو الاستغناء عنها مثل الزوج أو الزوجة والمسكن والعمل والأصدقاء والمقربين و…. الخ  يمكننا أن نستخدم الأسلوب الأول وهو تغير وتنويع النظر إلى هذه الأشياء وطريقة التعامل معها فهذه الليمونة ذات الطعم الحامض إن أكلناها مباشرة يمكن أن تكون لذيذة جداً إن تعاملنا معها بطريقة مختلفة كأن نعصرها مع قليل من الماء والسكر، وإذا غيرنا نظرتنا لما حولنا ونوعنا هذه النظرة ونظرنا إلى الشيء من جوانب مختلفة كأن نكتشف أماكن الجمال في أزواجنا وأصدقائنا وأعمالنا بدلاً من التركيز على جانب واحد قد يكون عيب من العيوب سنشعر بالتجديد  والإثارة والبهجة والسرور فيقول إيليا أبو ماضي:

أيـها الشاكـي ومـا بـك داء      كيف تغدو إذا غدوت عليــلا

أن شر الجناتي في الأرض نفس    تتوخى قبل الرحيل الرحيــلا

وترى الشوك في الورد وتعمـى    أن ترى فوقها الندى إكـليـلا

والذي نفســه بغير جمـال     لا يرى في الوجودي شيء جميلا

وقبل الحديث عن الأسلوب الثاني لابد أن اسأل القارئ الكريم الأسئلة التالية ؟

1-   إلا تشعر بمتعة تناول طعام الإفطار في رمضان أكثر من الأيام العادية ؟

2-   ألا تستمتع برؤية صديق أو قريب أو حبيب عندما تغيب عنه لفترة من الزمن أكثر مما لو كنت تراه يومياً ؟

3-   ألا تستمتع بطعم الحياة العادية التي تعيشها الآن إذا حرمت منها.. كأن تسجن لمدة من الزمن ؟

4-   ألا تستمتع بمشاهدة التلفزيون إذا عطل تلفزيونك لمدة طويلة ؟

5-   ألا تستمتع وتنتعش إذا عاد التيار الكهربائي بعد انقطاع ؟

    ومن خلال الأسئلة السابقة نستنتج أننا نشعر بفرحة ومتعة وسعادة إذا ما أعادت إلينا الظروف شيئاً حرمتنا منه فترة من الزمن رغم أننا قد مللنا منه سابقاً، إذاً بإمكاننا أن نصنع هذه المواقف الممتعة التي تقتل الرتابة بأنفسنا ولا ننتظر الظروف كي تصنعها وذلك عن طريق حرمان أنفسنا منها مؤقتاً، أما بالخيال كأن نتخيل أننا فقدناها، وأمّا إذا صعب  تأثير الخيال على مشاعرنا فبإمكاننا أن نحرم أنفسنا منها فعلاً لفترة من الزمن كأن نغيب عن صديق وقريب، وان نصوم ونتوقف عن مشاهدة التلفزيون،وفي الوقت نفسه الذي حرمنا فيه أنفسنا من شيء معين نقضي وقتناً مع الشيء الآخر بتبادل، أي مرة للأصدقاء ومرة للقراءة ومرة لمشاهدة التلفاز و…، وهكذا يولد الحرمان السعادة.

   البداية

 

 

أقول له إيش لو قال ما حبك ؟؟

هذه كلمات لأغنية يمنية تقول: (اقله أيش لو قال ما حبك  ولا أريد أراك ولا عيني تريد تشوفك  اقله حبني بالغصب ؟؟)

إنها كلمات تعبر عن مشكلة كثير من الناس وأحياناً تكون المشكلة مباشرة وأحيانا تكون أكثر

تعقيداً وأكثر تركيباً وتتلخص المشكلة في السؤال التالي: ما رد فعل معظم الناس عندما يشعر الواحد منهم أن شخص ما أو عدد من الأشخاص لا يحبونه ؟؟

سأقول لكم ما ردود أفعال بعض الناس:

- البعض سيشعر بحزن إما لأنه خسر عزيز أو أعزاء.

- البعض سيشعر بالحزن والضيق وضعف الثقة بالنفس حيث سيعتقد أنه غير محبوب أو أن دمه ثقيل.

- البعض  سيشعر بالغضب ويرغب في العدوان نحو هؤلاء الناس وقد يعتدي عليهم بعدوان مباشر أو غير مباشر

 كالشتم أو التآمر أو التعريض لسمعتهم أو  السخرية منهم.

إذا النتيجة حزن وغضب وعدوان وضعف الثقة بالنفس وشعور بالخسارة وغيرها، وهذا يسبب مشاكل كبيرة ومركبة للشخص ويعانيها معظمنا من وقت إلى آخر، أتدرون ما علاج ذلك، إن علاج ذلك لا يحتاج إلى كبسولات وأدوية ولا يحتاج إلى تغيير المجتمع أو هؤلاء الناس الذين لا يحبوننا إنما يحتاج إلى تعديل في طريقة تفكيرك بما يتفق مع الواقع والمنطق ويكون التفكير الصحيح فيما إذا وجدت أن شخصاً ما لا يحبك أو مجموعة من الأشخاص كما يلي:

علاج المشكلة:

أولاً:  قل لنفسك وهي حقيقة إن العالم واسع وكل يوم نتعرف على أشخاص جدد وكنا في الماضي نحب أشخاص وكنا نقول لأنفسنا أننا لن نستطيع أن نعيش من دونهم وذهبوا وجاء آخرون وذهبوا وهكذا تستمر الحياة والحزن يكون في البداية كبير ثم يصغر ويصغر مهما كان كبيراً إذا فقل شيء من الصبر وأنت تستشهد بالماضي.

ثانياً: المثل القائل (لكل فولة كيال) تعني أن تقول لنفسك أن هناك أناس في هذه الحياة يحبونني وأولهم والديا وهناك أناس لا يحبونني وقد لا يكون السبب أنا وهذه سنة الحياة اكرر هذه سنة الحياة أن يحبنا البعض ولا يحبنا البعض ليس من الطبيعي  أن يحبنا كل الناس (رضاء الناس غاية لا تدرك) فلا نستطيع أن نكسب جميع الناس مهما عملنا، والناس الأقويا لهم أصدقاء حميمون وأعداء لدودون، والرسول (ص) وهو رسول الله كان له أعداء لدودون وهم أعداء الله.

ودليل ذلك أن أشخاصاً كثيرون عندما يتقدمون للزواج يتركون فتيات جميلات ويأخذون فتيات غير جميلات شكلياً حسب بعض المعايير وهذا  يدل أن لك لفولة كيال فليست الجميلة هي البيضاء أو الطويلة أو الخ فقد يفضل أحدهم البيضاء وآخر السمراء وآخر الطويلة وآخر غير ذلك وهكذا.

ثالثا: إذا شخص  أو عدد من الأشخاص رفضوا صحبتنا فلا يعني أن السبب أن عيب فينا  فبعض الناس يعتقد أنه السبب دائما لأنه غير جذاب فهذا خطأ كبير قد يكو السبب الآخر وإن كان السبب نحن فلا يعني أننا ولدنا هكذا غير مرغوبين خطأ اكبر إنما محبة الناس ونفورهم منا ناتج عن تصرفاتنا فقط وليس عن سمات وراثية لا تتغير مثلا  وبالتالي فإن تصرفاتنا يمكن أن نعدلها عن طريق التعلم والقراءة والملاحظة فمثلا: قد يكون سبب رفض البعض لنا أنانيتنا وحبنا لذواتنا وحديثنا الدائم عن نفسنا وعدم الاهتمام بالآخرين بل بأنفسنا وعدم ترك الآخرين يعبرون عن أنفسهم أمامنا بل نكون مشغولون بالحديث عن أنفسنا، وقد يكون بسبب غياب الابتسامة عن شفاهنا، وقد يكون السبب أننا نتحدث عن موضوعات لا تهم هؤلاء الناس، وقد يكون السبب تعالينا عليهم، فعلينا باختصار أن نفكر كيف يشعر  الشخص الذي نريد أن يحبنا بالارتياح بوجودنا عن طريق ربط أنفسنا بأشياء تريحه كأن نجعل من وجودنا سرور وبهجة للأخر عن طريق بث روح المرحة بالنكتة والابتسامة والطيبة والاهتمام وغيره وليس العكس وإلا إن كنا دائمي التجهم على سبيل المثال سيقول الآخرون عند لقائهم جاء النكد.

إذا تغيير تصرفاتنا  من تصرف وسلوك غير مقبول لدى الآخرين إلى سلوك مقبول سهل وبأيدينا

 وجرب عزيزي وسترى النتيجة أمامك فأنت من تصنع نفسك الجميلة التي أهداها الله لك، فكن جميلا ترى الوجود جميلا.

  البداية 

 

 

اعمل الخير وارميه البحر

عندما يخذلك القوم (الخيانة والجحود)

    من أسباب الاكتئاب وقاتلات السعادة أن تعمل الخير للآخرين وتلقى منهم الشر أو الجحود، وكلما كان هذا العطاء أكبر وكان الجحود أكبر كان الألم أكثر شدة، وهذا ما جعل شهيد كالثلايا يقول عبارته المشهورة …، وقول سعد زغلول (ما فيش فائدة ياصفية)، كما أن أهل العراق بايعوا الحسين بن علي رضي الله عنه ثم تخلوا عنه فأريق دمه مبلالاً رمال كربلا  وهو حفيد رسول الله (ص)، وتكرار هذا الحدث جعل نزار قباني يقول: (كل أيامنا كربلا)، وهذا الشيء نفسه الذي جعل الشعراء يشعرون بالغربة النفسية والوحدة فيقول جبران لقومه مقتبساً من الآية الكريمة  (لكم دينكم ولي دين) ويقول آخر (سيذكرني قومي إن جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر) كما يقول آخر  (إن الذي بيني وبين بني أبي لمختلف جدا) وتأتي الأمثال الشعبية عندما تتكرر الحوادث فنجد (أعمل خيراً شراً تلقى) وكذلك (اتق شر من أحسنت إليه)  وهكذا الحياة لا تخلو من الخذلان والخيانة والجحود فذلك بطل يخذل وآخر يخلص لصديق فيخونه، ومن المنطلق الواقعي وليس المثالي أو المتشائم نؤكد شيئا مهماً وهو أن أشياء مثل هذه قليلة الحدوث في الظروف العادية والطبيعية لأن الناس ميالون إلى الخير أكثر من الشر، ولكن في الظروف غير الطبيعية  والتي تحتاج إلى تضحية وضغوطها شديدة يقل من يقاوم، ومما سبق نجد أن جحود الناس للثائر على الأغلب نتيجة للجهل، وبالنسبة للحسين رضي الله عنه فبسبب الخوف ولصديق بالغت في إكرامه ربما لأنه لا يستطيع أن يصل إلى مستواك في العطاء هذا إن لم تكن هناك أسباب تعود إليك.

    ولكن ما العمل ؟ وكيف تواجه هذه المشكلة ؟ هناك أساليب عديدة للخلاص من هذه الكآبة الناتجة عن هذه الأسباب ونذكر منها ما يلي:

-   أن تعمل الخير لوجه الله سبحانه وتعالى فلا تنتظر من البشر حمداً أو شكورا وجزاؤك عند الله سبحانه وتعالى.

-   أن تفهم الطبيعة الإنسانية على حقيقتها وهي أن هناك من الناس من يجحدون ويكثر عدد الجاحدين عندما يكونون في وضع يتطلب التضحية، كما أن هناك الأوفياء ويقل عددهم كلما كان الظرف صعباً.

-   أن تعمل ما تعتقده صحيحاً وتعتبره واجباً دينياً وإنسانياً وأخلاقياً بغض النظر عن وفاء الآخرين.

-   إن ما تقوم به من خير تجد مكافأته عند نفسك من احترامك لنفسك وعلو ذاتك أمامك وهذا مكسب لا يعيه للأسف البعض.

-  أن تتذكر أن الأنبياء والرسل وهم قدوتنا تعرضوا للأذى من أقوامهم وهم يريدون لهم الخير.

-   إذا كنت خدوماً جداً أو كريماً جداً أو … جداً فتذكر أن معظم ألناس في أي صفة من هذه الصفات يكونون في الوسط والقلة هم المتطرفون.

ولهذا جاء المثل (أعمل الخير وارميه البحر) وقال العرب (أزرع جميلا ولو في غير موضعه #  لن يضيع جميل أين ما زرع)

-   وتذكر أنك لست وحدك فهناك الكثيرون ممن وقعوا في مشكلتك عبر التاريخ وممن يعيشون الآن ولنتأمل كلمات أبي القاسـم الشابـي:

وأقول للجـمع الذيـن تجشـموا     هدمي وودوا لو يخر بنــائي

ومضوا يمدون الخـوان ليـأكلوا       لحمي ويرتشفوا عليه دمـائي

إن المعاول لا تهد منــــاكبي    والنار الا تأتي على أعضـائي 

فارموا إلى النار الحشائش والعبوا     يا معشر الأطفال تحت سمائي

   البداية

 

 

القناعة كنز لا يفنى

النفس لا يغنيها إلا التراب

إن هدف الإنسان في حياته بعد عبادة الله وتعمير الأرض هو أن يكون سعيداً فهل من  امتلك مالا كثيرا أو تولى منصبا كبيرا أو... الخ  حقق هدفه في الوصول إلى السعادة والارتياح ؟

قد يعتقد البعض أن هذه الكلمات تعبيرا إنشائياً لهذا ندعوا أصحاب العقول لمناقشة  ما يلي:

معادلة العمر:

لو تأملنا قليلا بماهية العمر لوجدناه زمناً  مكون من ثوان ودقائق وساعات وأيام وشهور وسنين وعقود ولا يزيد ونستطيع أن نراه يجري بالعين المجردة إذا نظرنا إلى ثوانيه وربما عزيز القارئ لن تنتهي من هذه المقالة إلا وقد تناقص عمرك ما يقارب الستين ثانية أو أكثر، وهكذا نرى عمرنا يموت عندما نرى الساعات تغرب والأيام والسنين. ومتوسط العمر بالنسبة لنا يقارب الخامسة والستين عاما ولا يصل إلى المائة سنة، وإذا كان عمرك الآن ثلاثين سنة , فلم يبقى من عمرك حسب الأغلب سوى النصف من حيث عدد السنين ولكن سيكون اقل بكثير  مما مضى من عمرك. لأن السنين تكون أكثر سرعة كلما كبرنا أكثر من سرعتها في الطفولة، هذا وقد ينتهي العمر بأي لحظة لأن مهدداته كثيرة جدا , ولعل من يشاهد شاشة التلفزيون  يرى كم من المئات من الناس تموت في الأرض يوميا لأسباب مختلفة والموت واحد، وإن طال العمر حتى بلغ المائة فالنتيجة واحدة فلينظر الإنسان للأجيال السابقة، بل شاهد فلما عربيا لرشدي أباظة القديمة سترى عالم متكامل انتقل إلى تحت الأرض.

 هلع الإنسان:

خلق الإنسان هلوعا وعجولا، ويلهث جاهدا نحو تخصص معين إما يبحث عن النساء لعدم قناعته بزوجته مثلا ويضل يلهث ولا يقتنع حتى لو انتهى من جميع بنات حواء، ويلهث جاهدا نحو المناصب فإن وصل لمنصب طلب آخر وهكذا وفي سبيل وصوله يبذل كثيراً من القلق والذل والتنازلات وو... الخ ويلهث البعض الآخر جاهدا نحو جمع المال ليضمن مستقبله وحسب قوله ومستقبل أولاده ويظل يجمع المال وأعرف كثيرا من أبناء شعبنا من مات في الغربة وهو يجمع المال بعيداً عن زوجته وأولاده ليضمن المستقبل له ولهم،

 وفي عام 1996 م في بغداد مات أثنين من رجال الأعمال عندما هبط سعر الدولار من مائتين دينار

إلى ستين دينار، وعندما سألت عن أحدهما قيل لي أنه خسر نصف ماله فلم يبقى له سوى محلين وعمارتين وكان  قبل سنين قليلة يحلم ويدعوا ربه بزوجة وبيت وأطفال ووظيفة أو محل ليكسب رزقه فمقابل ماذا فقد عمره ؟ بل لا أخرج عن الجد إذا قلت أن البعض يفني عمره في القراءة والعلم، ولا أخرج عن الدين إن قلت أن البعض يفني عمره ويومه بالعبادة فقط، فقد وجد رسول الله صلى الله عليه  وسلم شخصا لا يفارق المسجد فلما سأله عن طعامه قال أخي يعمل وأنا أتعبد لي وله فقال له أخوك خير منك (الحديث بمعناه) كما جاء في الحديث أن انس بن مالك - قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أخبروا كأنهم... فقالوا وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا افطر. وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ((انتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله واتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، وفمن رغب عن سنتي فليس مني)) تحفه 745-7/2.

وهكذا نجد أن طمع الإنسان وهلعه نحو ما يرغب يجعله يفني عمره ووقته في ذلك الشي أما في جمع المال أو في الغرق في المناصب أو العلم  الخ.

 حقيقة السعادة:

إلا أن مكان وجود  السعادة حسب التراث العالمي بأجمعه ليس  في القصر المكين ولا في الكوخ الحقير ولا في المنصب العالي ولا في المال الوفير  إنما في النفس، وفي لغة علم النفس في العقل وداخل الدماغ (حياتك من صنع أفكارك)

فحبيب تتمنى رؤيته لا يعني شي لشخص آخر، ولحم الخنزير اللذيذ للنصارى لا يعني لك شي ولعبة الطفل  التي تجعل نهاره مشرقا وسماؤه وردية تختلف عن لعبة الكبير، وتستطيع أن تستمع بالحياة على بساط  في كوخ أكثر من سرير في قصر، والحياة السعيدة توازن في كل شي والجحيم هو التطرف في شيء واحد.

 كيف تكون القناعة طريق للسعادة ؟

الطموح المشروع والسليم صحيا ونفسيا واجتماعيا وو.. هو ذلك الطموح الذي لا يفني الإنسان كل وقته وعمره في تحقيقه، ولا يبذل جهدا ينهكه جسديا ونفسيا بصورة مستمرة ودائمة، ولكي تصغر في عينك المناصب ومال الدنيا وما لدى الآخرين وتحتفظ بصحتك وسعادتك وكرامتك فعليك بالقناعة.

فالأقوياء والأغنياء وذوو السلطة  والنفوذ  يضعفون أمام ذوي القناعة، وبالقناعة تملك الدنيا كما ينسب للأمام الشافعي: إذا ما كنت ذا قلب قنوع   فأنت ومالك الدنيا سواء، وكما قال آخر لأبنه يا بني لو عرف الخليفة بما لدينا لقاتلنا عليه، وبالطبع يقصد القناعة.

وكما يقول أبو ذؤيب  الهذلي: والنفس راغبة إذا رغبتها    وإن ترد إلى قليل تقنع وكلما سبق على مستوى الواقع قد لا يفيد كثيرا لأن الناس ستقول كيف أكون قنوعاً ؟

نقول بأن القناعة تفكير وتدريب، فإن تأملت في ميزات زوجتك إن كنت متزوجا  ووعيت أن كل امرأة فيها نقص وأن الميزات التي في زوجتك تكفيك لعشت في سعادة وسلام. ولو تأملت أن المناصب سلاح ذو حدين تأخذ شيء وتعطي أشياء، وعلى حساب أشياء كثيرة، واقتنعت بما لديك أو بما تسعى إليه،لكنت أكثر استقرارا وسعادة ولا بأس  أن كنت تطمح ولكن دون قلق ودفع ثمن باهض، فهنا يعود الموضوع إليك.

ولو عرفت أن المال وسيلة وإنه عندما يصبح غاية  ويضيع العمر قلقاً وجهدا وزمنا في جمعه فقد تسببت لنفسك بالأذى ومن هذا الأذيى التعاسة. فردد عزيزي الحكمة القائلة القناعة كنز لا يفنى.

 أخيراً:

معظم الناس يعرف هذا المثل  ويمروا عليه مرور الكرام ويرددونه باستمرار ولكن دون الاستفادة منه ودون الوعي بأهميته وفائدته العظمى، لأن البعض يعتقد أنه موعظة أخلاقية عادية أو أنه يقال للمواساة  أو أن العاجز يردده أو غير الطموح، ولو علموا بأهميته لاستغربوا ولأدركوا كم من الوقت أهدروا وكم من الجهد والقلق والاكتئاب عانوا ولا يعرفون أن الكنز والعلاج بين أيدهم مجاناً  .

ويعتقد معظم الناس أن الأشياء الثمينة والقيمة والهامة هي بعيدة المنال والتي من الصعب الوصول إليها، ولا يتنبهون إلى  أن الهواء الذي يتنفسونه هو أهم شي لحياتهم وهو متوفر بالمجان بينما أشياء تافهة كثيرة تباع بنقود كثيرة.

   البداية

 

 

خير الأمور الوسط

    عزيزي القارئ: اعتدنا أن نتناول في كل موضوع فكرة صغيرة غالباَ ما يسبب العمل بعكسها أو إهمالها ضيقاً وكرباً واكتئاباً بصورة مباشرة أو غير مباشرة وقد يعي الواحد منا ذلك وقد لا يعيه، والعمل بهذه الفكرة غالباً ما ينعكس علينا بالتوافق النفسي مع الله سبحانه وتعالى ومع أنفسنا ومع الآخرين، فيا ترى ماذا نعني بالوسطية ؟ وكيف تزيل الوسطية الضيق وتحقق السعادة ؟   سنحاول في هذه المقالة أن نجيب على هذه الأسئلة مدللين على ذلك من علم النفس والدين والواقع المعاش.

مفهوم الوسطية:

    ونحن نتحدث عن الوسطية لا يجب أن نغالي في تتبع معاني المفهوم فإذا قلنا أن الوسطية تعني الوقوف بين طرفين في المكان أو الزمان أو في الصفات أو الأفعال، فسيتبادر إلى ذهننا وما الطرف أو التطرف، ولكن في الحقيقة هي مفاهيم واضحة لدى أغلب الناس ولكن غير الواضح هو تحديدها أي تحديد نقطة الطرف والوسط، ونحدد معنى الوسطية في مقالانا بمعنى عدم الغلو والمبالغة وهو مفهوم يقترب فيما يخصنا من التوازن والواقعية والاعتدال، الاقتراب من القاعدة والبعد عن الشذوذ.

سوء التوافق:

     يبدأ الاضطراب النفسي من الاضطراب العادي الذي يتعرض له كل إنسان وهو موضوعنا هنا إلى الاضطراب المرضي، فالتوافق النفسي عملية دينامية مستمرة يقوم بها الفرد مستهدفا تغيير سلوكه ليحدث علاقة أكثر انسجاما بينه وبين خالقة و نفسه وبيئته، ومما يحدد توافق الفرد اقترابه مما هو سائد في مجتمعه والبعد عما هو سائد يؤدي إلى سوء التوافق بما فيه القلق والاكتئاب وغير ذلك من الأعراض.

الأفكار المتطرفة والتعاسة:

    وبما أننا ننطلق من أن الإنسان يبدأ بالتفكير والتفكير يتبعه انفعال والانفعال يتبعه سلوك، فإن الأفكار المتطرفة غير الواقعية هي التي تؤدي إلى شقاء الإنسان وعدم توافقه وشقائه ومن هذه الأفكار على سبيل المثال وليس الحصر كأن يقول الفرد لنفسه يجب أن يحبني جميع الناس وإذا وجد من يكرهني فإن هذا يسبب لي الضيق، أو قول الفرد: أنني أثق ببعض الناس إلى ما لا نهاية، أو أن صديقي فلان لا يمكن أن يصدر عنه خطأ وإن وجدت فيه خطأ فإن ذلك سيكون كارثة،  أو يقول: يجب أن تتصف زوجتي بالصفات الكاملة التي أريدها وإذا نقصت إحدى هذه الصفات سأشعر أنني تعيس وأن الناس سعداء ولهم زوجات أفضل من زوجتي، أو  يقول: يجب أن أحقق كل طموحي وأهدافي وإلا فإنني فاشل، أو يقول: لا حاجة لي بالناس وبإمكاني أن أعيش وحيداً.

الأفكار الوسطية المعتدلة الواقعية:

    فالأفكار السابقة كلها تقود إلى عدم التوافق والتعاسة لأنها أفكار متطرفة غير واقعية لأن الواقع يقول لنا غير ذلك حيث  لا يوجد إنسان يُحب من قبل كل الناس فإرضاء الناس جميعاً غاية لا تدرك، كما أنه لا يوجد إنسان كامل الصفات ولا يوجد إنسان خالي من العيوب سواء أكان هذا الإنسان صديق أو زوجة فالرسول الكريم يقول:  ((لا يكره مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر))، كما أن من يكثر اللوم على الناس لن يجد الصديق الذي يخلو من العيوب ، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يحقق جميع أهدافه وطموحاته فأحياناً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن،  وعلاقة الفرد بالآخرين يجب أن تكون معتدلة فالبعد عن الناس والانطواء يؤدي إلى سوء التوافق الاجتماعي والنفسي والإنسان كائن اجتماعي يعيش بين الناس، وكذلك الاندماج بالناس اندماجاً متطرفاً يؤدي أيضاً إلى سوء التوافق لأسباب كثيرة منها أن العلاقة التي فيها غلو تؤدي إلى الالتصاق بالآخرين ذلك الالتصاق الذي قد يسبب لهم الضيق، كما أن الثقة الزائدة عن الحد هي ثقة غير واقعية تتناسى ضعف الإنسان وشهواته كما جاء في الأثر (أحبب حبيبك هونا ما، فعسى أن يكون بغيضك  يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما).

     وفي الأخير فإننا لو أردنا أن نذكر أمثلة للأفكار المتطرفة وفضل الوسطية والواقعية والاعتدال لما كفانا هذا المقال ولكن علينا بعض الأمثلة السابقة وعليك عزيزي القارئ التعميم على أمثلة أخرى في حياتك واتخاذ من التفكير الواقعي المعتدل غير المتطرف قاعدة في حياتك وجرب ومارس واخبرني بالنتيجة، ولكن حدد بدقة أين يقع تفكيرك في موقف ما هل يقع في الطرف ؟ أم في مقربة من الوسط ؟ وحدد نقطة الوسط من شريعتك الإسلامية ومجتمعك والنظرة الخبيرة للحياة، فالسعادة في الوسط فلا غلو ولا جفاء ولا إفراط ولا تفريط.

البداية 

 

 

رب ضارة نافقة

     عزيزي القارئ: اعتدنا في الحلقات الماضية أن نتحدث عن أسلوب واحد أو فكرة واحدة تقلب حالتنا شاعرنا من الكآبة إلى السعادة وإن لم تكن كذلك فهي تخفف من الحزن الذي يعترينا، وهذا الأسلوب لا يكلفنا مالا أو جهدا ولكن نحتاج بعد استيعابه إلى تطبيقه وممارسته، فقد يعرف الناس أشياء كثيرة في صالحهم إلا أن المشكلة التي لا يستشعرون أهميتها هي عدم ممارسة هذا الأسلوب الذي قد يبدوا غير هاماً  مع أن تأثيره كبير ولكن أعلب الناس لا يعلمون.

    وموضوعنا اليوم هو سبب رئيسي من أسباب الكآبة والضيق، فغالبا ما يشعر الناس بضيق وتوتر وحزن عندما يخسرون شيئا ما أو يتوقعون خسارته، وتعتمد درجة الضيق على نوع الشيء الذي خسرناه أو نتوقع خسارته فقد يكون هاما جداَ بالنسبة لنا وقد يكون أقل أهمية، وكذلك على الشخص نفسه،  فالأفراد يختلفون في درجة  تقبلهم للخسارة وطريقة تفكيرهم وطريقة تعاملهم معها.

    وقد يكون هذا الشيء - الذي نخاف خسارته - منصباَ معيناَ أو إنساناَ عزيزاَ أو وظيفة  أو نجاحاَ دراسياً …الخ وبعض الناس يبالغ في خوفه وقلقه إلى درجة اعتقاده أنه  بخسارته هذه سيخسر كل شيء وأنه في كارثة ليس لها مثيل، وغالبا ما نكون أثناء هذه الحالة مركزين ذهنياً على مساوئ الخسارة ولا يتبادر إلى ذهننا أن في هذه الخسارة مكاسباً بل قد تكون المكاسب أكبر وأكثر  من الخسارة  فرب ضارة نافعة لم تأت من فراغ.

    عزيز القارئ: قبل أن نهديك فكرة الموضوع البسيط المؤثر والتي تعرفها ولكن تنساها ولا تتأمل فيها غالباً اسمح لي أن أعرض عليك هذا الموقف الواقعي الذي قرأته:

    في مطار الرياض سنة 1400هـ  نام أحد المسافرين في إحدى الرحلات الجوية  في قاعة الانتظار وهو ينتظر موعد الإقلاع وصحا فجأة من نومه والطيارة تقلع فجن جنونه وشعر بكآبة شديدة لم يشعر بمثلها من قبل، فإذا سألته عن أهمية الرحلة التي خسرها سيحكي لك خسارات فادحة، وما هي آلا دقائق وإذا  بالطائرة تنفجر أثناء الإقلاع، ورغم أن الحادث كان مريعا إلى أنه شعر أنه ولد من جديد وقال رب ضارة نافعة.

    قد يقول البعض أن هذا من باب الصدفة هنا سأنطلق من جانب فلسفي وهو أن لكل شيء في الحياة فائدة ولكننا غالبا لا نرى فوائد  كثير من الأشياء، فالنار المحرقة هي نفسها  التي تسلق لنا البيض اللذيذ، 

   ومن التاريخ عبرة فكثير من الناس وجدوا أنفسهم في ظروف مؤلمة تجلب الحزن والاكتئاب، وكانت هذه الظروف تحمل الفائدة والسعادة اللاحقة لأصحابها ومن هذه الظروف سجن ابن تيمية ساعده على إنتاج جل فتاواه، وحبس السرخسي في الجب ساعده على تأليف كتابه المشهور (المبسوط) وسفر ابن القيم وبعده عن أهله الذي ساعده على تأليف كتابه (زاد المعاد) ومرض ابن الأثير الذي أقعده ساعده على تأليف كتبه الرائعة (جامع الأصول) و (النهاية) وفقر وتغرب المحدثون الذي جمع لنا آلاف الأحاديث، وفقدان بصر  أبي العلا المعري والبردوني وغيرهم  أنتج لنا شعراَ مميزا، وكتابة طه حسين لمذكراته بعد عماه، وظروف دستيوفسكي وتولستوي والسياب وغيرهم من يتم وفقر وغربة ساعدهم  على إنتاج أدب قوي مؤثر، وكم من أناس بعد عزلهم من مناصبهم قدموا للأمة أضعاف ما قدموه وهم في مناصبهم ؟

   وهكذا نجد أن ما نعتقده  ضارا  قد يكون غير ضار بل قد يكون نافعاَ ففي سورة النساء يقول تعالى: (عسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراَ كثير ا) (النساء – آية 19) وجاء في تفسير الجلالين وابن كثير أنه إذا كرهتم النساء فعسى بصبركم عليهن يعوضكم الله خيراً كولد صالح، وكان موسى عليه السلام يعتقد أن فعل الخضر  ضارا فقد رأى الخضر يقتل طفلاً ويهدم جداراً ويخرم سفينة، فاستنكر فعل الخضر وكان رد الخضر عليه كما في قوله تعالى:(ألم أقل أنك لن تستطيع معي صبرا) ثم قام الخضر بإيضاح ما لم يفهمه موسى عليه السلام كما جاء في قوله تعالى (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناَ وكفرا * فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراَ منه زكاة وأقرب رحما) (الكهف – آية 80، 81)

   وقد يشعر البعض أن هناك خططاً ودسائساً ومكراً تدبر لهم وقد تنفذ بعضها مما يجعلهم يكتئبون ويضيقون وإذا بالسحر ينقلب على الساحر  وتتحول نتائج الضرر إلى فوائد كقوله تعالى (وإذ يمكر  بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (الأنفال – آية 30)

وقد يضطر الإنسان للكذب دفاعاَ عن نفسه معتقداً أن الكذب قد ينقذه وهو مخطئ في اعتقاده كما جاء في الحديث الشريف (تحروا الصدق فإن رأيتم فيه الهلكة فإن فيه النجاة…إلى آخر الحديث)

   وهكذا بإمكاننا أن ننظر لما نعتقده ضاراً  أما بالنظر إلى فوائده،  أو نقوم بتعديله لنجعله في صالحنا، فالليمون الحامض بإمكاننا أن نعدل فيه بتقطيعه وخلطه مع قليل من الماء والسكر فيتحول إلى عصير حلو، وإذا لم نستطع التصرف أو التفكير في الفوائد فعلينا بالصبر فإن ما نعتقده ضارا  قد كتبه الله لنا، وقد يكون فيه النفع الغائب عن أعيننا وأذهاننا قال تعالى ((عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) (البقرة – آية 216)

   ومما سبق رأينا كيف أن القرآن الكريم والحديث الشريف وقصص كثيرة عبر التاريخ وتأملات فلسفية في كنه الأشياء وأفعال تعايشها يومياً كل ذلك يؤكد أن ما نعتقده ضاراً قد يكون نافعاً، وعلينا أن نثق بذلك ونبحث عن مكمن الفائدة، أو كيف نعدل في الظرف بما فيه الصالح، وإن لم نستطع شيئاً من تفكير أو تعديل فعلينا بالأيمان بما هو مكتوب والصبر وبهذا نكون قد كسبنا كل شيئ كما جاء في الحديث الشريف (عجباً للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خير له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له وليس ذلك لأحد إلى للمؤمن)

  فهل عزيز القارئ تستطيع بعد كل هذا أن تتأمل في فوائد المصائب وتستفيد منها ؟ وأقلها أنها تدربك على مواجهة الصعاب مستقبلا فالسوط الذي لا يكسر ظهرك يقويه.

 البداية

 

 

أنشطة تجلب السعادة

    رمى بهيكل جسده المتهالك على أقرب كرسي مجاور وزفر زفرة تحوي الكثير من المعاني وضع ساقا على ساق ونظر إلى جهة الحائط المقابل وقال ببرود وصوت خافت: السلام عليكم، وكان قد اخذ انتباهي اهتزاز حذائه التي تبدو وكأنها خرجت من عاصفة من السكاكين التي خدشت وجهها ونالت من كبريائه ثم ارتفعت بنظري إلى أعلى فرأيت بنطاله مليء بالبقع السوداء وقميصه ليس لونه الحقيقي أغبر وكأنما لم تمسه لسان المكواة من سنين  ولحيته المليئة بالأشواك متنافرة الاتجاه، وشعر في جزء منه بقايا عادة تسريح قديمة. كان قد جره أحد أقربائه إلى مكتبي بعد إلحاح كثير وبعد إن رحبت به ودار الحديث العام وبعد أن أوضحت له أننا جميعاً نحتاج إلى الإرشاد وأهمية العملية الإرشادية في حياتنا سألته عن مشكلته فأجاب أشعر بالضيق وأن الحياة لا طعم لها وعدم الثقة في كل شيء حتى من علاجك وعندما سألته ماذا تفعل منذ استيقاظك من النوم حتى تعود إليه مساءً ؟ أجاب لاشيء لا شيء.. كيف لا شيء ؟ أجاب اجلس في البيت. ولماذا لا تخرج من البيت ؟  صمت قليلاً وبدأ يطقطق أطراف أصابعه على مكتبي شعرت أن شيئاً يخرج من تحت أظافره الطويلة المسودة الأطراف ثم قال لماذا أخرج ؟

فالشارع مليء بالأتربة والغبار والأرصفة مليئة بقراطيس طازجة ترمى من أكف الناس وعندما نركب الحافلة نسلم أرواحنا لعبة لدى السائق فيسمعنا ما يشاء من مسجله النشاز وبصوت مرتفع ويلعب بالفرامل دون مراعاة أن الركاب بشر ثم يقف فجأة لتلتطم رؤوس بعضنا ببعض ويرمي علينا ركاباً لهم روائح تحفز فينا رغبة القفز من النافذة  ثم نصل إلى مقر عملنا فتبدأ قصة المنغصات التي لا وقت لديك لأشرحها، ثم أعود إلى منزلي الذي بصعوبة وجدت فيه قبراً صغيراً أنزوي فيه ورغم وحدتي إلا أن أفكاراً سوداء تهاجمني لهذا وافقت على المجيء إليك رغم أن هذه الأفكار هي حقيقة الحياة.

    اعذرني عزيزي القارئ من إطالتي لهذه الحكاية لأنني وجدت فيها كثيراً من طاردات السعادة من أفعال وممارسات وأفكار وبغض النظر عما إذا كانت هناك أسباب أخرى لكآبة هذا المسترشد إلا أننا وجدنا من خلال الحديث السابق أسباباً كافية لزيادة حالة الاكتئاب من إهمال في الملبس والنظافة، وتركيزاً على الجوانب السلبية وإهمال الجوانب الأخرى، وكذلك عدم ممارسة ما يذكر من أنشطة تجلب السعادة وتعدل المزاج وسنحاول فيما يلي ذكر بعض الأنشطة البسيطة التي سوف تغير مزاجك إذا التزمت ببعضها وأعطيتها الأهمية المناسبة وهذه الأنشطة يعرفها الجميع ولكن هناك سر كبير سأفشيه لك وهو أن المشكلة لدى أغلب الناس ليس في معرفة هذه الأنشطة ولكن في عدم تركيزهم على أهميتها لبساطتها لأن أغلب الناس يعتقدون أن الأشياء البسيطة لا تجلب أشياء كبيرة فيهملونها فلا يضعوها في برنامجهم فينساقون في تيار روتين حياتهم اليومي القاتل والممل ولهذا إليك عزيزي القارئ بعض الأنشطة البسيطة التي ستعدل من حالتك الوجدانية وتنقل إليك بعض السعادة ولكي تستفيد منها عليك أن تفعل ما يلي:

1-      أن تعطيها الأهمية المناسبة وتأخذها مأخذ الجد.

2-      أن تختار مجموعة منها والتي تتناسب معك ومع ظروفك.

3-      أن تضعها في برنامجك اليومي أو الأسبوعي بمرونة دون تشدد مع بعض الالتزام.

    هذا وسنفصل الحديث عن هذه الأنشطة في حلقات مقبلة وهذه الأنشطة هي:

1- نشاطات معارضة للاكتئاب:

 اجتمع مع أشخاص سعداء، اضحك بعمق، شاهد منظراً جميلاً وركز عليه، قل شيئاًجميلاً أو ساراً للمقربين منك، ارتد غياراً أو ملابس نظيفة، استمع للقرآن، تحدث عن شيء سار أو مرح، شاهد شيئاً تحبه خارج المنزل، قم بإعداد شيءً تحبه، تناول طعاماً أو شراباً بالخارج، اجتمع مع أشخاص متحمسين، اقض بعض الوقت في مشاهدة الطبيعة، تحدث بإعجاب عن بعض منجزاتك، اشعر بوجود الله ورعايته في حياتك، تناول طعاماً أو شراباً تحبه، ابتسم للآخرين، اشتر شيئاً تحبه، اقتطع وقتاً للفراغ، شاهد الشمس أو اجلس في مكان مشمس، نم بعمق، كون صورة ذهنية لشخص أو مكان جميل أعجبك، قل شيئاً مسلياً أو استمع إليه، ارو أطروفة أو نكتة، استرخ بعض الوقت، استحم أو اسبح , تنفس هواء طبيعيا ونقياً، استمع لأغنية تحبها، اشتر شيئاً لشخص تحبه، تخيل موقفاً مع شخص تحبه , تخيل شيئاً جديداً سيحدث في المستقبل، اشعر بأهمية وجودك للآخرين، مارس الاسترخاء، كافئ نفسك على إنجاز بعض النشاطات السابقة يومياً.

 2- انجازات ونشاطات شخصية:

اقرأ شيئاً جديداً، خطط لرحلة أو إجازة، تعلم شيئاً جديداً، ابحث عن كتاب جديد، أكتب خطابات مؤجلة، عبر عن فكرة أو رأي بوضوح، اكتب رأيك في مقال قرأته في الجريدة، اكتب عن شيء يعجبك في شخصية تقدرها، اكتب أو اتصل لتسأل عن شيء تريد اقتناءه، قم بتنظيم شيء مؤجل في مكان عملك، تعلم بعض الخطوات لاكتساب مهارة معينة، تعرف على مصادر الإعجاب فيك وسجلها، اقرأ سورة في القرآن، اقض وقتاً في عمل شيء بكفاءة، ابعث برأيك إلى صحيفة أو مجلة، قم بتنظيم شيء مؤجل في منزلك، أنجز ولو شيء من واجباتك.

3- تفاعلات اجتماعية:

          ابحث أو اتصل بصديق قديم، اجتمع مع مجموعة من الأصدقاء، عبر عن شيء إيجابي فيك، اجتمع مع من تحب، عبر عن تأييدك العلني لرأي جيد، قلل من إلحاحك على شخص آخر، اطلب من صديق أو زميل أن يساعدك في معالجة أمر يهمك، قم بمداعبة طفل أو حيوان، تعرف على طريقة صناعة أو عمل شيء تؤديه الزوجة أو الزوج، قم بتنظيم لقاء (أو حفل) مع أصدقاء، لاحظ الآخرين، ادخل في مناقشة صريحة، عبر عن حبك أو إعجابك بشخص آخر، اجتمع مع أشخاص متحمسين، قم بزيارة سريعة لأحد الوالدين أو المقربين، قم بعمل تطوعي لخدمة آخرين، سجل أشياء إيجابية فعلتها اليوم (أو الأسبوع الماضي أو الشهر أو العام الماضي)، أصغ بانتباه وتفهم لشخص لم تكن تحبه، سجل أشياء إيجابية تود عملها اليوم (أو هذا الأسبوع أو الشهر أو العام)، تعرف على ما حصله أبناؤك في المدرسة اليوم، امتدح شيئاً إيجابياً في شخص آخر، أنصت للقرآن الكريم بتركيز، عبر عن عرفانك بالجميل، أخلق مناقشة حية، تعرف على شخصية جديدة، امنح بعض الوقت لمساعدة محتاج، ادع صديقاً إلى كوب من الشاي أو القهوة، تعرف على ما سيفعله أبناؤك اليوم، تطوع لمساعدة شخص يحتاج إلى المساعدة أو النصح، افعل شيءً يثير الحب.

       ولأننا نتفاوت قي قدرتنا على تكوين علاقات اجتماعية سليمة ومستمرة سنحاول في الحلقة القادمة أن نتحدث عن كيفية تنمية المهارة الاجتماعية لما لها من أهمية في إحداث التوافق النفسي والاجتماعي وانعكاسها على السعادة.

   البداية

 

 

فهم الآخرين من خلال قيمهم

إن النجاح فهم طباع الناس أمر في غاية الأهمية والفشل فيه يؤدي إلى الاضطراب نفسياً واجتماعياً ووظيفياً

لسنا هنا بصدد الحديث عن القيم لان الحديث عنها واسع ومفصل ولكننا سنركز على أحد التصنيفات الذي يمكن استخدمه كوسيلة لفهم طباع الناس والتنبؤ بسلوكهم والقدرة على التعامل معهم من خلال هذا الفهم، ففهم طباع الناس صغاراً أو كباراً، نساءً أو رجالا وبمختلف تخصصاتهم ومواهبهم أمر مهم للغاية للنجاح الاجتماعي والتوافق النفسي والاجتماعي والقدرة على القيادة حيث يحتاج هذه القدرة  قادة المؤسسات التربوية والعسكرية والاقتصادية التجارية ويحتاجها الإنسان العادي لأن من لا يستطع فهم الآخرين يفشل ويضطرب نفسياً واجتماعياً ووظيفيا.

والأسئلة الهامة المطروحة هنا هي: ماذا نعني بفهم الطبيعة البشرية ؟ و هل لدى الناس عموما قدرة على فهم الآخرين ؟ وما الأخطاء الشائعة في فهم للآخرين ؟ وكيف يمكن فهمهم بصورة أفضل ؟ 

هنا يوجد مفهوم يسمى الذكاء الاجتماعي ويعني قدرة الفرد على فهم الناس من حيث ماذا يحبون عموما ؟ وماذا يكرهون ؟ و ما الأشياء التي تهمهم ؟ وما الأشياء التي تزعجهم ؟  والتعرف على اهتمامات الأفراد من حيث جنسهم  ذكوراً و إناث وأعمارهم  كباراً وصغار ومن خلال هذا الفهم يسهل التعامل معهم وكسبهم وإرضائهم، و بالطبع ليس لدى الناس قدرة كاملة على فهم الطبيعة الإنسانية وإنما جزئية في كل الأحوال وتختلف هذه القدرة من فردٍ إلى آخر حسب القدرة العقلية العامة وحسب درجة الثقافة ونوع التعليم ودرجته وكذلك الخبرات الخاصة والمهن والأعمار فالكبير أكثر قدرة من الصغير والذكي أكثر من الأقل ذكاءً، والمتعلم أكثر من الجاهل والبياع أكثر من موظف الأرشيف والقائد أكثر من المقود.

وفهم الآخرين لدى غير المتخصص في علم النفس عادة ما يكون جزئي أي قد يركز الشخص على سلوك معين أو مهارة محددة اكتشف قيمتها من خلال نجاحه في كسب مجموعة من الأشخاص فقام بتكرارها  ولكن هل هذه السلوكيات أو المهارات هي الوحيدة ؟ وهل تصلح لكل الأفراد ؟ هنا يبرز خطأ شائع وهو التعميم، حيث لا يدرك بعض الناس الفروق الفردية بين الناس ويعتقد أن كل الناس سواء.

إذاً كيف نفهم الآخرين ؟ أيضا الحديث هنا لا يتسع لكل ذلك ولكن يمكن الحديث عن كيفية فهم الناس والتنبوء بسلوكهم وسهولة إقناعهم من خلال التعرف على قيمهم وهنا سوف نركز كما أسلفت على أحد التصنيفات للقيم المتعلقة بهذا الموضوع وهو تصنيف سبرانجر حيث صنف هذا العالم الألماني الناس في كل مكان وفي كل زمان إلى ستة أنواع حسب ما يحملونه من قيم وهذه القيم هي القيم الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والجمالية والعلمية وهذه القيم الست توجد لدينا جميعاً ولكن بتفاوت أي تترتب هذه القيم الست لدى الناس ترتيباً هرمياً  حسب أهميتها، فعلى سبيل المثال و في الحالات المتطرفة تحتل القيمة الدينية المرتبة العليا لدى علما الدين  بينما تحتل القيمة الجمالية المرتبة العليا لدى الفنانين، وتحتل القيمة الاجتماعية المرتبة العليا لدى المصلحين الاجتماعيين، والسياسية لدى القادة، والعلمية لدى العلماء، والاقتصادية لدى رجال الأعمال.

ومما سبق يمكن أن نقول أن القيمة التي تحتل قمة الهرم القيمي لدى الفرد هي القيمة التي تتحكم بسلوكه فهي معيار ودافع للسلوك، وبالتالي إذا عرفنا القيمة التي تحتل الأهمية العليا لدى سلم الفرد القيمي نكون قد استطعنا التعرف عليه أكثر واستطعنا التنبؤ والتحكم في سلوكه إلى حدٍ ما، وبعبارة أخرى نستطيع التعامل معه وكسبه ونيل حبه ورضاه عنّا  بسبب فهمنا لقيمه المركزية والتي تعبر عن اهتماماته واتجاه تفكيره ورغباته. ومن خلال ترتيب القيم الست لدى الأفراد فإن الناس يصنفون إلى ستة أصناف حسب القيم التي تحتل المرتبة العليا في سلمهم القيمي وهم كالتالي:

الشخص الروحاني:

وهو ذلك الذي تحتل القيمة الروحية قمّة سلّمه الهرمي وتتحكم في سلوكه من حيث اهتمامه واتجاهاته وإدراكه وتعتبر معياراً يقيس تصرفاته بها، ومدخلاً لقناعاته، ودافعاً لسلوكه.

فهو بصورة عامة عادةً ما يكون متدّين وينصب تفكيره في التأمل في الكون والخلق والخالق وقدرته، ومعيار سلوكه الأول الحلال والحرام، فيتوقف عن عمل شيء إذا قلت له إن هذا الشيء حرام، كما أنه يميل لمصادقة المتدينين، ويختار شريكة لحياته المرأة المتدينة.  

الشخص الاقتصادي:

وهو ذلك الذي تحتل القيمة الاقتصادية قمّة سلّمه الهرمي وتتحكم في سلوكه،فهو بصورة عامة عادةً ما يكون من رجال الأعمال  وينصب تفكيره على الربح والخسارة، ومعيار سلوكه الأول الفائدة، فيتوقف عن عمل شيء إذا قلت له إن هذا الشيء غير مفيد، كما أنه يميل لمصادقة من يستفيد منهم، وغالباً ما يختار شريكة لحياته المرأة الغنية.

الشخص السياسي:

وهو ذلك الذي تحتل القيمة السياسية قمّة سلّمه الهرمي وتتحكم في سلوكه، فهو بصورة عامة عادةً ما يكون من رجال السياسة والقادة وينصب تفكيره على القوة والسيطرة والمركز، ومعيار سلوكه الأول القوة، فيتوقف عن عمل شيء إذا قلت له إن هذا الشيء سيضعف مكانتك ويقلل من هيبتك، كما أنه يميل لمصادقة ذوي المراكز والسلطة ، وغالباً ما يختار شريكة لحياته المرأة التي تنتمي لأسرةٍ ذات حسب ونسب .

الشخص الاجتماعي:

وهو ذلك الذي تحتل القيمة الاجتماعية قمّة سلّمه الهرمي وتتحكم في سلوكه، فهو بصورة عامة عادةً ما يكون من المصلحين الاجتماعيين وقد يكون مدرساً أو مرشداً نفسياً، وينصب تفكيره في الاهتمام بالناس فهو يحبهم ويعتبرهم غاية في حد ذاتهم ، ومعيار سلوكه الأول هو الناس ، فيتوقف عن عمل شيء إذا قلت له إن هذا الشيء لا ينال رضا الآخرين أو يضايقهم ، كما أنه يميل لمصادقة كل الناس والأخص منهم (الطيبين)، وغالباً ما يختار شريكة لحياته المرأة حسنة التعامل مع الناس والطيبة.

الشخص الجمالي:

وهو ذلك الذي تحتل القيمة الجمالية قمّة سلّمه الهرمي وتتحكم في سلوكه، فهو بصورة عامة عادةً ما يكون من الفنانين وينصب تفكيره واهتمامه بالأشكال والتناسق والجمال بصورةٍ عامة، ومعيار سلوكه الأول الجمال، فيتوقف عن عمل شيء إذا قلت له إن هذا الشيء غير جميل أو قبيح، كما أنه يميل لمصادقة المتأنقين ومن يتعلق بهم الجمال بشكلهم أو حياتهم ، وغالباً ما يختار شريكة لحياته المرأة الجميلة.

الشخص العلمي:

وهو ذلك الذي تحتل القيمة العلمية قمّة سلّمه الهرمي وتتحكم في سلوكه، فهو بصورة عامة عادةً ما يكون من العلماء وينصب تفكيره على ماهية الأشياء وتركيبها ومسبباتها، ومعيار سلوكه الأول العلم والدليل والبرهان العلمي، فيتوقف عن عمل شيء إذا قلت له إن هذا الشيء غير منطقي أو غير مقنع ، كما أنه يميل لمصادقة العلماء والمثقفين ، وغالباً ما يختار شريكة لحياته المرأة المثقفة.

ومما سبق يتضح أنّ الناس ليسوا سواء، وفي هذا المقال صٌنفّوا نسبياً إلى فئات حسب قيمهم، وبالتالي لكي نستطيع فهم اهتماماتهم واتجاهاتهم وتفكيرهم ومداخلهم وكيفية التعامل معهم التعامل الذي يكسبنا حبهم وتأييدهم، وطريقة إقناعهم علينا التعرف على القيمة التي تحتل قمّة هرمهم القيمي، وبعبارةٍ أخرى التي تحتل مكانة هامة لديهم، وبالنسبة لمجتمعنا اليمني فإن القيمة السائدة هي القيمة الروحية فالدين يأخذ المدخل الرئيسي للشخصية اليمنية، ومن يتعامل بما يناقض هذا الجانب فإنه يتصادم مع أفراده ولا يستطيع التوافق، ويؤكد ذلك الدراستان التي أجريتها على طلبة الجامعة وهو يتفق في تخصيص الرسول الكريم (ص) لذات الدين في الحديث الشريف:

"تنكح المرأة لأربع لجمالها ومالها ونسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " صدق رسول الله

البداية

 

 

تعلم فن العلاقة بالآخرين

يعتقد البعض أن السعادة دائمة وأن هناك وصفات علاجية تجعل لإنسان سعيدا على الدوام إن هذه الفكرة غير واقعية ولا توجد سعادة دائمة إلا في الجنة فالسعادة كالضوء الذي لن نعرفه  ما لم نرى الظلام وهي كالون الأبيض  الذي لن نعرفه ما لم نعرف اللون الأسود، إذن ما لفائدة من مقالنا هذا ؟ أننا نحاول أن نمدد أوقات السعادة ونخفف نوبات الحزن والاكتئاب، ونبدد لحظات الرتابة والملل وبإمكاننا ذلك بكل تأكيد ودون ثمن وبكل سهولة ولا يحتاج البحث عن وسائلها إلى سفر طويل فهي موجودة حولنا ندوسها بأقدامنا ولا نراها وما أكثرها وبالطبع لا يتسع الحديث عنها جميعا في هذا المقال ولهذا كما تعودنا أن نتحدث في كل حلقة عن أسلوب واحد فقط، ولا يعني تحقيق السعادة استخدام جميع الأساليب فقد يكفي طريقة أو طريقتين لجلب السعادة، وأسلوبنا اليوم مهم جدا وهو تحت عنوان المهارة الاجتماعية سبب هام لجعل الإنسان سعيدا، وقد يكون مصطلح المهارة الاجتماعية مصطلحاً علمياً رنانا ولذا سوف نستبدله بالقدرة على فهم الناس فهما واقعيا صحيحا والتعامل معهم بموجب هذا الفهم، وقد يعتقد القارئ الكريم أن هذه القدرة يصعب الوصول إليها أو أنها قدرة موروثة، نقول أن هذا الكلام غير دقيق ولكي تتأكد عزيزي القارئ من ذلك تابع المقال بتأني. وسنجيب الآن عن السؤالين التاليين وهما: لماذا الفهم الواقعي للناس يسبب السعادة ؟ وكيف نستطيع أن نفهم الناس؟

الإنسان كائن اجتماعي وتتكون شخصيته من جوانب عقلية وجسدية ووجدانية واجتماعية وهذه الجوانب مترابطة لا نستطيع فصل بعضها عن البعض الآخر أو إهمال أحدها فتوازنها جميعا ضروري لكي تتمتع شخصية الإنسان بصحة نفسية وسعادة وهدوء وإلا انقلبت حياته جحيما، وما دام التركيز هنا على الجانب الاجتماعي فإن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بعيدا عن الناس والمثل المصري القائل: (جنة من غير ناس ما تنداس) فالإنسان يحتاج إلى حب الناس واهتمامهم واحترامهم وحمايتهم ومساعدتهم، ولن يتم ذلك بالطبع إلا من أناس لا يكرهوننا، وبعض الذين يقولون: (لا يهمنا  الناس) لا شك أنهم إما غير صادقين مع أنفسهم أو غير مستوعبين أبعاد كلامهم  ولكن ننبه إلى أن الاهتمام بالناس يجب أن يكون وسطا فقد خلقنا الله كمسلمين أمة وسطا وإلا أنقلب – كما يقول المثل – إلى الضد، أي إلى النفور والتواكلية إذن فنحن بحاجة إلى علاقة جيدة ومعتدلة بالآخرين علاقة مناسبة متنوعة مع والدينا وأخوتنا وأزواجنا وأصدقائنا وأبناءنا ورئيسينا ومرؤوسينا نحتاج إلى كل تلك العلاقات دون استثناء  إذن من أجل أنفسنا وسعادتنا فلا بد من علاقة ناجحة مع الآخرين  ومن إسعاد هم لكي ينعكس علينا و يسعدونا.

وأما كيف نستطيع أن نكون هذه العلاقة ؟ نقول إذا فهمت الناس سهل عليك التعامل معهم وكسبهم، وقد تسألون ولكن كيف نكسب الناس ؟ ألا يحتاج هذا إلى ذكاء أو ذكاء اجتماعي ؟ نقول إن الذكاء الاجتماعي بنسبة 80% خبرات بالإمكان اكتسابها، وقبل الحديث عن بعض المهارات ركزوا على الحكاية التالية

في جلسة من جلسات القات كان أحد الأفراد الذين أعرفهم يتكلم بصوت مرتفع وعندما حاولت أن أركز في حديثه لعلي أستفيد لكني وجدت أن حديثه لا يهم أحد فهو يتحدث عن نفسه وبطولاته في أحداث لا تمثل بطولة، وكان يسخر من الحاضرين وأنه أفضل الموجودين ويكثر من انتقاد هم ولا يناديهم بأسمائهم بل كان يتعمد أن يقول لبعض الأشخاص (هاه يا جني) وعندما كان يحاول أحد الجالسين الحديث كان يقاطعه فلا يترك لأحد فرصة الحديث، وطريقة جلوسه مستهترة وكان يستخدم التلفون بكثرة دون إذن، فأنسحب بعض الناس غير الصبورين وقال البعض منهم: (يا خسارة فلوس القات) وفي نهاية المقيل أقترب هذا الشخص مني وللأسف كانت رائحته مزعجة وقال لي (بصفتك نفساوي لماذا الناس يكرهونني ؟)

وقبل أن أجبه سألت نفسي ألا يعرف هذا الشخص أن الناس يحبون الإنسان النظيف الأنيق الذي يهتم بهم ويحترمهم ويستمع إليهم جيدا ويمدحهم بصدق بما فيهم، والذي يحدثهم عن أشياء تهمهم وتثيرهم وأن يناديهم بأحب ما يريدون أن يسمعون بألقابهم الجميلة أو بأسمائهم. ألا يعلم هذا الشخص أن الناس يكرهون من يتعبهم ويكلفهم ويأخذ منهم باستمرار ولا يعطيهم وينتقدهم ويوبخهم وينصحهم بطريقة مباشرة تظهر فهمه وعدم فهمهم، ومن يثرثر بكلام تافه وبعيد عن مجال اهتمامهم.

من الحكاية السابقة برزت لنا بعض السلوكيات المحببة وغير المحببة للناس وهي  بعض التعاملات اليومية البسيطة التي نتعامل بها فنتذكر بعضها وننسى البعض الآخر، ونتعامل بها غالبا مع الأغراب وننسى المقربين حتى نكتشف أنهم قد ضاقوا منا ونفروا، هذا نموذج مبسط لبعض ما يحب الناس ويكرهون بصفة عامة، وهي كثيرة ولا متسع هنا للحديث عنها ولكن عزيزي القارئ لعلك أدركت أنها أشياء بسيطة لا تحتاج إلى عبقرية وهذا هو المهم في حديثنا ولكن الأكثر أهمية هو ليس معرفة بعض السلوكيات فقط وإلا وقعت فيما يقع فيه أغلب الناس الذين ينسون ممارسة بعض المهارات وقياس نتائجها فعليك عزيزي القارئ جمع بعض هذه السلوكيات وممارستها لتتأكد بنفسك. 

هذه هي الحاجات العامة للناس ولكن هناك بعض الفروق الفردية بين الناس في الدرجة من حيث أمزجتهم ومستوى تفكيرهم وخبراتهم الخاصة التي تجعلهم يحبون أشياء ويكرهون أشياء أخرى ونستطيع أن نفهم من خلال الفهم العام الذي تحدثنا عنه إضافة إلى معاشرتهم لفترة مناسبة وعدم الاعتماد في تشخيصهم من الانطباع الأول أو من النظرة الأولى كما يقول البعض.

وأخيرا عزيزي القارئ أختتم حديثي بعبارة هامة جدا تختصر عليك الكثير من العناء والبحث وهي خلاصة تجربة مضنية بالنسبة لي وهي في بحثي في الدكتوراه، حيث ترجمت الكثير من الدراسات وتابعت كثيرا من النظريات الغربية باحثا عن الذكاء الاجتماعي وهو يقارب المهارة الاجتماعية التي نتحدث عنها،وعانى الغرب ولا يزالوا يعانون للبحث عن السلوك الذكي اجتماعيا، وعندما تأملت فكرنا الإسلامي الحنيف وخاصة ما يخص المعاملات بين المسلمين ضحكت ضحكة سخريا من نفسي وفرحة وقلت سبحانك يا رب كم أنت رحيم بنا ونحن جاهلون، فالمسلم لا يحتاج إلى ذكاء اجتماعي لكي يتعامل مع الناس فمجرد أن يتفقه في الدين ويجعل من الإسلام سلوكا له  يكون قد أصبح ذكيا اجتماعيا واستطاع أن يكسب الناس وسيعيش في سعادة أفضل من غيره وفي حلقة قادمة سنحاول التعرض لهذا الموضوع ولا مانع أن نختتم حديثنا بالحديث الشريف الذي يحثك على أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك.

  البداية 

 

 

- الشـــك -

 (إذا عرف السبب بطل العجب)

قيل لرجل أن زوجتك الليلة ستحاول قتلك لتهرب مع عشيقها، وعندما عاد الرجل إلى منزله مساء ورمى جسده على فراش النوم وأغمض أحدى عينية رأى زوجته تقترب منه قليلا قليلا وبيدها سكينا إلى أن لامست السكين عنقه. فماذا فعل الرجل ؟  ما كان منه إلا أن خطف السكين وذبح زوجته.

لا شك أن معظمنا الآن يحدث نفسه عن التصرف الذي يجب أن يتصرفه الرجل هل يقتل زوجته ؟ هل يطلقها ؟ والقليل منا من  سيسأل نفسه إلا يمكن أن تكون هذه الزوجة بريئة ؟ وأن الرجل على خطأ ؟  أتدرون أن الزوجة بريئة فعلاً ؟؟ ولكن لبراعة حبكة القصة اعتقدنا نحن أن الزوجة متلبسة بالجرم فما بالكم بالزوج لذي يعيش الظرف وفي قلب التوتر والقلق والموضوع يمسه مباشرة، وكم من القصص والحكايات التي تنطلي على الكثير من الناس عبر الزمان والمكان وغرور الإنسان بعقله يجعله يرفض الكثير من المكايد ويعتقد أنها ليست مكيدة ولكن في النهاية تمر عليه كغيره من الناس ويتلوه آخر وآخر إلى نهاية الزمان إلا من تأمل وتأكد ورحمه ربه.

 أتدرون ما سبب اقتراب الزوجة بالسكين من زوجها ؟  حسناً القصة تبدأ من ذهاب الزوج إلى السوق ليشتري عبداً فوجد عبداً قويا ورخيص الثمن فاستغرب فقال له البائع أنه مكتمل الصفات ولكن به عيب واحد فقط أنه مفاتن قال الزوج مشكلة بسيطة فاشتراه، وما أن وصل العبد بيت الزوج إلا وقال للزوجة أن زوجك يعشق امرأة غيرك وأنه سيتزوجها فخافت المرأة فطلبت من العبد - في لحظة خوف وقلق - أن يضع لها حلاً فقال لها العبد دعيه إلى أن ينام وقصي خصلة من شعره وأعطيني إياها وسأتولى بقية الأمر حتى يتم شفاؤه من هذا الحب، ثم ذهب إلى الزوج و قال له أن زوجتك ستهرب الليلة مع عشيقها بعد أن تقتلك..وهكذا جاءت الزوجة ليلا لتقص خصلة من شعر زوجها بالسكين فما كان منه إلا أن صدق مكيدة العبد أنها ستقتله فقتلها على الفور ثم نشبت حرب طويلة المدى بين قبيلتي الزوج والزوجة البريئة..فهل فهمتوا القصة ؟ (والفتنة أشد من القتل)

ألم يزول الغموض والعجب بعد أن عرفتم معلومات إضافية غيرت الحكم على الموقف الم يبطل العجب ؟

 معنى المثل:

ومعنى مثل الحلقة أنه عندما يعترضنا موقف من المواقف المثيرة أو المخيفة أو المقلقة ولا نعرف أسبابه فإننا نتعجب ونذهل ونتوتر ونبحث عن تفسير وعندما لا نجد تفسيراً صحيحاً قد نلجأ للتفسير الذي يقابلنا لأول وهلة والذي قد يصادف أنه تفسير جاء من قبل شخص مغرض أو حاسد أو مستفيد - وما أكثر المستفيدين - فقد نختار تفسيراً غير دقيق لم نتأكد منه،  وقد يؤدي هذا التفسير إلى تصرف خطأ يؤدي إلى نشوء مشكلة ليست لها نهاية، وعندما تتضح الأسباب الحقيقية ويتضح للشخص أنه كان على خطأ يزول العجب ويقل التوتر المتعلق بموضوع الشك ولكنه قد يندم على ما فعل بسبب تفسيره الخاطئ وأحيانا تعالج المشكلة وأحياناً تتفاقم ويصعب حلها.

إذا هذا المثل يعبر عن موضوعات عدة تتعلق بالجانب المعرفي الذي يزيل الغموض وبعدم توفر المعلومات الكافية والدقيقة والصحيحة يظل الاستغراب ويظل الحكم الخاطئ المبني على أدلة خاطئة وركيكة فعلى سبيل المثال عندما نرى لاعب السرك يحول القماش إلى طيور نصدق أن هذه من الخوارق،  وهناك الكثير من الأحداث التي لا نفهمها فتفسر خرافيا أن أسبابها الجن أو الشياطين كمرض الصرع مثلا الذي بطل العجب بعد الوصول إلى تفسير علمي وهكذا ولكن لكي تتضح الصورة أكثر يفضل أن نحصر الموضوع في موضوع الشك في العلاقات الإنسانية.

الشك في العلاقات الإنسانية:

فالعلاقات الإنسانية الحميمة تتعرض إلى حالات من الشك سوى كانت هذه العلاقة علاقة زوج وزوجته أو صديق وصديقه أو حاكم ومستشاريه أو غير ذلك. 

وللشك درجات تمتد ما بين الاعتقاد أنه شك وبين الإيقان بأنه ليس شك بل حقيقة ويكون ذلك بحسب الشخص وحسب الظرف المحيط به وحسب غموض الموقف وحسب ذكاء المفتنين والكايدين.

هل الشك خطأ ؟

والشك عند وجود حالات ومواقف تثير الشك يتدرج من الشك الطبيعي الذي يكون الهدف منه الوصول إلى الحقيقة ولا يتجاوز الزمن الطبيعي ولا يتجاوز القلق الطبيعي أو الوصول إلى يقين دون معلومات حقيقية أو أدلة كافية إلى الشك غير الطبيعي والذي يتدرج بدوره إلى مراتب والشك غير الطبيعي هو الذي يقلب حالة الإنسان إلى جحيم دائم و يؤدي به إلى القيام بتصرفات خاطئة بناء على شكه و قد تكون نتائجها وخيمة وتجلب المشاكل المتوالية والمتفاقمة على الشخص صحيا وأسريا ووظيفيا واجتماعيا وتدمر حياته، وقد تألمت لشخص صرح لي أن الشك يعذبه وأنه يشك بزوجته منذ عشرين عاما، أي أنه أضاع عمره في عذاب لمشكلة لا توجد إلا في دماغه لأوهام يتوهما، وهكذا نجد أشخاصا عذابهم موضوع في جماجمهم أي في أدمغتهم، فهل شك هذا الرجل لهذه السنوات تصرف سليم ؟  قد يقول البعض هذه واضحة لكن هناك أشياء اقل زمنا بكثير، والبعض يفسر خطأ المثل القائل لا يوجد دخان من غير نار، والبعض يقول أن الشك له احتمالان الأول صحيح والثاني خطأ وعندما يتعامل مع الشك يركز على الخيار الأول ويترك الخيار الثاني، و للإجابة على ذلك سنحاول استعراض بعض أسباب الشك وأساليب علاجه.

ما أسباب­­ الشك ؟

من أسباب الشك الواشون والمفتنون والمستفيدون وما أكثرهم عبر التاريخ   فالفتنة والوشاية دمرت دولا وحكومات وممالك وليس أشخاصا فقط وتمر الوشاية على الصغير والكبير والذكي وغير الذكي والرئيس والمرؤوس وتعتمد قوتها على ذكاء الواشين أو الظروف التي تحيط بالشخص ألشاك اقصد الظروف النفسية والضغوط والقلق المتعلق بمشكلة معينة أو موقف معين، وللواشين أهداف كثيرة ومتعددة حسب تعددهم فمنها مالها أهداف مباشرة ومنها تلقائية ترتبط بطبع الواشي الدائم وغيرها.

ومن الأسباب أيضا أن يسلك الأشخاص الذين نشك بهم سلوكا معينا قد يكون بريئا فنشك بهذا السلوك فندخل الفكرة إلى أذهاننا فتكبر الفكرة كالمثل القائل: (كبرها تكبر صغرها تصغر) وتبدأ بربط السلوكيات التالية التي بعضها لها علاقة بالسلوك السابق المشكوك به وبعضها ليس لها علاقة ولكن بؤرة الشك تربطها بالفكرة وتجد لها مبررات تتناسب مع الفكرة المسيطرة.

ومن الأسباب أيضا نحن أنفسنا كأن نكون من مرتكبي الأخطاء فنقوم بعملية التعميم كما يقول المثل الشعبي (السارق يشوف كل الناس سرق).

العلاج:

العلاج بسيط ولو تمعنا فيه وأدركناه واستوعبناه لخرجنا من دائرة الشك التي قلبت حياتنا إلى جحيم ومن أنواع العلاج ما يلي:

- الفهم الحقيقي الواقعي للحياة وهو أن الهدف بعد الله سبحانه وتعالى أن نحيا حياة سعيدة مستقرة مقدرين أهمية الحفاظ على أجسادنا وأنفسنا من اثر الهموم والقلق والتوتر، وأن نحب أنفسنا الحب الذي أمرنا به الله سبحانه وتعالى ((ولبدنك عليك حق)) فالقلق الذي ينتابنا أثناء الشك ينعكس مباشرة على صحتنا النفسية والجسدية فكثير من الأمراض ناتجة من القلق المتكرر وعلى سبيل المثال فقط كشفت دراسة حديثة أن الغيرة والشك في الحياة الزوجية هي أحد الأسباب الرئيسية لإصابة الزوجات بآلام الظهر والرقبة.

- البحث عن الحقيقة دونما قلق أو توتر وعدم التسرع بالحكم أو اخذ ما يقال لنا كما هو أو الاعتماد على قرائن غير كافية فجمع المعلومات بدقة وبطرق علمية كوضع فرضيات واختبارها إلى أن نعرف السبب الحقيقي ويزول العجب فنرتاح. (يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)

- ومن أساليب العلاج أن يقول ألشاك لنفسه أنني أتعذب دون وجود شيء أكيد لماذا لا أعيش حياتي بصورة طبيعية وعندما أتأكد حينها ستعالج المشكلة حسب الزمان والمكان فإن كانت النتيجة بطلان شكي فإني أكون حينها قد عشت حياتي ولم أعذب نفسي يوما واحداَ ولم أعذب أحداً غيري وإن كانت النتيجة تأكيداً لشكي بصورة قاطعة فالدنيا واسعة وكل شيء ينسى والحياة مليئة بالبدائل وكل مصيبة تبدأ كبيرة وتنتهي مهما كانت والحياة تستمر رغم كل الظروف.

- المكاشفة علاج قوي وشاف لكثير من الشكوك فالصدق حبيب الله والصراحة صابون القلوب، والتجربة برهان، والرائد لا يكذب وقد تكون المكاشفة للمصدر نفسه وقد تضم آخرين معه ولكن على الإنسان أن يدرس الظرف المناسب فالمكاشفة توفر معلومات قد لا تكون على البال ولا على الخاطر.

فالأحداث التي لا نفهمها ونستغرب ونتعجب لحدوثها عندما نعرف أسبابها الحقيقية نجد أن الاستغراب والغموض والعجب يزول، فإذا عرف السبب بطل العجب.

البداية

 

 

لا تكن يابساً فتكسر ولا ليناً فتعصر

في سنة 1983 عندما كنت تلميذاً في الصف الثالث الثانوي دخل مدرس اللغة العربية الذي سمع أننا طلبة  مشاغبين وخاصة أن الصف الثالث اختباراته  وزارية ولا توجد أعمال سنه ، وكان هذا المدرس طويلا وعريضا وله صوت غليظ كنا نسميه أبو الهول، وتعامل بشدة مبالغ فيها وبدأ يشطح وينطح فصمتنا برهة من الزمن نتأمل هذا الوحش الجديد، وكان كلما يرى زميله مدرس التربية الفنية الذي كنا نستهتر به كان يزداد قسوة في تعامله من صراخ ورفع صوت وتوجيه الإهانات للطلبة، وما أن مضى زمن ليس بطويل حتى أصبح هذا المدرس لعبة بين أيدي الطلبة عندما تمكن بعض الطلبة منه ولم يستطع أن يفعل شياً سوى رفع الصوت وتوجيه الإهانات التي ارتدت إليه حتى انهار كما أنهار غول محمد عبدالولي.

وهذا يجعلنا نستذكر قيادات سياسية عالمية كان بعضها يتعامل بتساهل كبير حتى أن أحدهم يقول في إحدى الصحف:  أولادي لم يصدقوا أني كنت رئيساً، وآخرين سيطر على الحكم من تحتهم نوابهم ومساعديهم وأزاحوهم، والبعض الآخر كانوا قساة وشديدي البطش اخضعوا الشعوب وقتا من الزمن كسبوا خوف الناس منهم وخسروا الحب وكانت النتائج حين وقع الثور كثرت السكاكين وقطعوه قطعة قطعة ليس جسديا بل لم يبقوا منه شيئا ولم يعد يذكرون له صفة حميدة. وهكذا فإن التطرف في التساهل وعدم الحزم يساوي القسوة والتشدد،

فعندما كنت في إحدى البلدان العربية الإسلامية كنت أتساءل لماذا تقترن السرقة بقتل المسروقين في هذا البلد وعندما سأل ما حكم السارق هنا قالوا الإعدام، أدركت أن حاكم هذا البلد كان يريد أن يحقق عدالة أكثر من عدالة السماء فكانت العكس، فالعدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه وتكون العقوبة على قدر الجرم، فالعدالة ليست أحد الطرفين التساهل أو التشدد إنما إعطاء الشيء ما يستحقه فكل شي بقدر ووزن، فالفاكهة الطيبة واللذيذة هي التي أخذت ما يناسبها من الوقت فلا تكون قارعة ولا ذابلة، وهذا الكلام إن أخذناه في قيادة الناس فلا نقصد به القيادات السياسية بل هو مثل عام ينطبق على جميع أنواع القيادات من قيادات سياسية إلى قيادات إدارية إلى أدارة أسرة أو فصل دراسي أو قيادة فئة من الناس سواء أكانوا أصدقاء أو غير ذلك، ولهذا فإن من كان قاسيا وشديداً مع الناس فأنه حتما سيصدم بالنتائج التي تجعله يشعر بخيبة الأمل وأنه خسر محبة الناس وصداقتهم وودهم، ومن تساهل ظلم وانتهكت حقوقه ولن يستطع السيطرة وقيادة الناس، فمن هان سهل الهوان عليه، وبالتالي فإن الإنسان لكي يعيش في سعادة لا بد أن ينجح في إدارة المجموعة التي يقودها ابتداء من الأسرة وانتهاء بمجموعات اكبر في العمل مثلاً ولكي ينجح عليه أن يتأمل بذلك المثل الذي أكد أهميته تكراره عبر الزمن وهو أن لا يكون ا:لإنسان يابساً فيكسر  ولا ليناً فيعصر ولكن عليه أن يكون قويا وغضاً لكي لا يكسر ولا يعصر.

 فلا تكون يده مغلولة إلى عنقه ولا يبسطها كل البسط

إذا عزيزي السؤال المباشر في نهاية هذه الحلقة هو متى نستخدم هذا المثل ؟

الجواب: عندما نريد أن ندير ونقود الآخرين فكلنا نقوم بعملية القيادة اقلها كون الواحد منا رب أسرة,

أو عندما نشعر بالحزن لأننا فشلنا في إدارة الناس.

 لكل فوله كيال

رضا الناس غاية لا تدرك

من كثر هداره قل مقداره

أفكار ألس الإحدى عشر

البداية

 

 

حساسية الغريب

    إن الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا إذا علمنا ولم نعمل بما علمناه، والذي أثارني لكتابة فكرة هذه الموضوع هو ما يكتبه الأخ الزميل الدكتور فؤاد البناء في مذكرات طالب يمني في السودان وردود  الأخوة الزملاء السودانيين عليه، ولست هنا في صدد الدخول كطرف ثالث لنفس الموضوع، لكنني هنا أقوم بدور المستغل في طريق السعادة من أجل المساهمة في معالجة مشكلة يمر بها كل غريب عن وطنه وبالأصح عن قطره  وبنفس الوقت محاولة تحديد بعض أسس الوقاية لمن سوف  يغترب  لأن كل واحد منا لا بد أن يغترب ولو من منطقة إلى أخرى في نفس بلده، وسنحاول في حلقتنا اليوم أن نحدد المشكلة ثم نعرض بعض الأسباب وبعض أساليب العلاج في سبيل توافق سعيد في الغربة عن الوطن.

المشكلة:

    لاحظتها وعايشتها أثناء دراستي في بغداد في جلسات الطلبة اليمنيين  فلاحظت أن معظم حديثنا يدور حول انتقادنا لكثير من عادات المجتمع العراقي فلم نكن راضيين عن كثيرمن طرق التعامل، ثم يصحو ضميرنا ونشعر بالذنب وتقرصنا قيم العرفان بالجميل فنعدل بعض حديثنا بقطرات من الثناء، وعند عودتي إلى اليمن ولقائي ببعض الأخوة والأصدقاء المقربين من العراقيين المقيمين في اليمن كنت أسمع كثيراً من النقد وعدم الرضا عن كثير من عادات وسلوكيات المجتمع اليمني، وكأن جلسات الزملاء اليمنيين في بغداد هي نفسها جلسات الزملاء العراقيين في اليمن وهاهي تتكرر المشكلة  في سلسلة الأخ الدكتور البناء وتتكرر أيضا في ردود الأخوة الزملاء السودانيين، ولا أقصد من حديثي أن هدف الجميع تفريغ شحنات مكبوتة أو نوع من التسامي فحسب فربما توجد أهداف قيمة أخرى هذا مع تسجيل إعجابي بالسلسلة بغض النظر عن المكان فلا فرق لدي بين السودان واليمن والعراق وغيرها من بلاد الله العربية والإسلامية، إضافة إلى ذلك قمت بالتأكد من حدوث المشكلة من خلال حلقة مصغرة لمجموعة من الزملاء الذين حصلوا على شهادة الماجستير والدكتوراه في بلدان مختلفة (مصر-الأردن- السودان-العراق) عن هذه المشكلة فصبت إجاباتهم بنفس المصب، وبهذا تتحدد المشكلة بأن كثير من المغتربين عن أوطانهم لا يشعرون بالرضا عن كثير من سلوكيات وعادات وقيم المجتمع الذي يستضيفهم، فما السبب ؟  هل السبب لدى المجتمعات نفسها ؟ أم هناك أسباب أخرى ؟ وهل تتساوى الحالة في جميع المجتمعات ؟ أم هناك فروق بين مجتمع و آخر ؟

 الأسباب – أو ما الذي يحدث ؟

    لماذا يشعر الغريب بالضيق ليس من كل ولكن من معظم سلوكيات البلد المقيم فيه أثناء غربته ؟ ومن ثم ينعكس على توافقه وشعوره بالضيق،فهل المجتمعات هي السبب ؟ أم السبب يكمن فينا نحن ؟ يركز معظم الناس على أن السبب في المجتمعات نفسها ولا يتنبهون أن هناك أسباباً نفسية تلعب دوراً كبيراً  في تقييم الشعوب.

    وسوف نتحدث عن بعض الأسباب التي وضعتها نصب عيني عندما كنت في غربتي بعد انجراري في تيار الضيق والتوتر لأسباب ليست حقيقية وأفادني تخصصي في هذه المشكلة إضافة إلى ثقافتي  الإسلامية المتواضعة مع بعض التأمل والبحث، واليكم أيها الأعزاء من كل قطر عربي وإسلامي بعض هذه الأسباب.  

أولاً: الاختلاف:

   لا شك أن  قواسم كثيرة تجمع البشر في جميع بلدان العالم وتقترب هذه القواسم أكثر بمساعدة عناصر تقارب مثل الدين واللغة والجغرافيا والتاريخ و … ولكن تظل هناك بعض الاختلافات في القيم والعادات ونمط التفكير والنظم السياسية والاجتماعية وغيرها وعندما تحدث مواجهة بين الأشياء المختلفة أو المتضادة يحدث سوء التوافق النفسي والاجتماعي والوظيفي والدراسي للفرد… الخ أي أن من أسباب عدم التوافق الاختلاف.

ثانياً: الاعتقاد الخاطئ:

   ويعتقد كل إنسان ينتمي لمجتمع من المجتمعات أن القيم والعادات التي يحملها صحيحة وما يناقضها خطأ وأعني هنا بالقيم التي ليس معيارها ثابت كالمعيار الديني، وغالبا لا يتخيل الفرد منا أن قيم الآخرين المعاكسة له قد تكون اصح مما يحمله (فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم  ….).

قالت لي إحدى الأخوات العراقيات والتي كانت زوجة لأستاذ جامعي  في الأسبوع الأول من دخولي العراق: صحيح أن اليمنيات متخلفات لا يلبسن مثلنا ؟ فنظرت إليها حيث كانت ترتدي (جونلة) قصيرة إلى ما فوق الركبة، ولا يعني أني أتحدث عن المرأة العراقية فنسبة  الاحتشام في العراق كبيرة ولا يعني أني أسيئ لتلك المرأة السافرة بحكم العادة فهذا ليس موضوعي ولكن أتحدث عن التناقض في الموقفين ففي الوقت الذي كنت انظر إلى ما تلبسه أنه نوع من السطحية والتخلف كانت تنظر هي إلى الاحتشام تخلفاً. 

وكذلك عندما قالت لي زميلتي العراقية بلهجة سخرية : أصحيح أنه في اليمن يجتمع أكثر من شخص ليأكلوا بأيديهم من طبق وأحد ؟ فأجبتها وهل صحيح أن جماجم الخراف ترص في أبواب مطاعمكم أسابيع بصورة مخيفة ومقززة لما تسمونه (الباشا) وأدركت حينها أن ردي كان انفعالياً وسخيفاً حينها تذكرت والدي عندما كان يتقزز من والدتي وهي تأكل الوزف (سمك صغير يؤكل ني) ويقول لها كيف تأكلين سمكاً صغيراً كالديدان برأسه وأمعائه وهو ني؟

   وتذكرت أن بلد الفن والجمال والعطور والموضة فرنسا تأكل الضفادع، والصين تأكل كل شيء في الجو عدا الطائرات وكل شيء في البحر عدا السفن وكل شيء في البر عدا الإنسان. وسألت نفسي من على صواب ومن على خطأ ؟ ومن أحسن ممن ؟

-    الحقيقة أننا نُطبع منذ طفولتنا على عادات وقيم وسلوكيات نألفها ونعتادها ولم نناقشها فهي بالنسبة لنا كالمسلمات والحقائق وهذا هو سبب عدم تقبلنا لعادات الآخرين لأنها لا تتفق  مع عاداتنا بل لا نتقبل الأشخاص أنفسهم بسبب قيمهم التي نرفضها لسبب غالباً ما يكون غير صحيح ونعتقد أنه صحيح.

والأمثلة السابقة توضح ذلك وإن كانت على الأطعمة لأنها سهلة الفهم وأبعد عن إثارة الحساسيات البعيدة عن موضوعنا ولكن تستطيع عزيزي القارئ أن تعمم هذه الأمثلة على القيم والعادات والنظم وغيرها.

3- النقص في المعرفة النفسية:

    وعندما تصطدم قيمنا بقيم الآخر وعاداته سوى أكان شخصاً أو مجتمعاً  فنحكم على قيمه أنها خاطئة ثم نحكم عليه نفسه أنه خاطئ وسبب ذلك حمله لهذه القيم والعادات التي نعتقد أنها خاطئة لا لشيء إلا لأنها تناقض قيمنا التي نعتقد أنها صحيحة ولا نعلم من أين أتينا بهذا الحكم الذي يجعل قيمنا وسلوكياتنا صحيحة وقيم وسلوكيات الآخرين خاطئة والحقيقة التي نجهلها أن السبب هو تطبعنا عليها ، فيبدأ النقد وسوء التوافق العام وعدم الرضا.

4- تعميم التجربة الخاصة:

  قد تحدث لنا مشكلة أو تجربة مؤلمة في مجتمع ما تجعلنا ننظر إلى هذا المتجمع برمته نظرة سلبية وهذه سمة من سمات البشر وهي التعميم وخاصة عندما تكون التجربة مؤلمة.

5- الحقوق غير الكاملة:

   لكل إنسان مجموعة من الحقوق في مجتمعه حتى وإن حرم من بعضها فهو يعرف أن من حقه المطالبة بها، أما عندما يهاجر إلى مجتمع آخر فإن هذه الحقوق تتناقص فهو يخاف أن يدلي برأيه بشجاعة (يا غريب كن أديب) لهذا يقول الإمام الشافعي:

إن الغريب له مخافة سارق     وخضوع مديون وذلة موثق

 فإذا تذكر أهله وبلاده           ففؤاده كجناح طير خافق

    كما أنه لا يستطيع التفاعل بحرية كاملة في مجتمع يصنف أنه لا ينتمي إليه رغم أنه يعيش فيه سنوات، فكيف يعيش في مجتمع يقمع تفاعله فيه إلى حد ما ؟  كما أن غِيرة أبناء البلد المضيف تطارده  إذا غنم أكثر مما يغنمون وأشياء كثيرة لا يشعر بها إلا المغترب ولا يتقبل معظم المغتربين هذا التغير ولا يستطيعون التنازل نفسيا وان تقبلوه أحياناً عقليا.

لهذا يقولون:

بلادي وإن جارت علي عزيزة      وأهلي وإن بخلوا عليا كرام

6- الفردوس المفقود:

  (نعيب زماننا والعيب فينا) هذا الشطر ينطبق أيضاً على المكان فنحن عندما نهجر أوطاننا فترة من الزمن نشعر أننا فقدنا الفردوس فكل السلبيات في وطننا تتحول إلى إيجابيات حتى أننا نتخيل أن الشمس في بلادنا أكثر إضاءة وإن الوجوه جميعها باسمة كما يحدث لنا عندما نعتقد أن الطفولة سعيدة وإننا كنا سعداء في طفولتنا وهذا موضوع طويل وبالمقابل يكون البلد الذي اغتربنا فيه وهجرنا الفردوس إليه هو الجحيم بعينه هذا الحديث ينطبق على قمة المأساة.

7- وللمجتمع الذي نغترب فيه دور:

ويواجهنا سؤال آخر وهو هل هناك مجتمع أفضل من مجتمع بحيث يشعر فيه الغريب بغربة أقل من مجتمع آخر ؟ وما مواصفات المجتمعات الجيدة ؟ وهل المدنية أفضل من البدائية ؟ وتكون بعض الإجابة بتعجب وهو: لماذا ظهر أدب عربي بأمريكا اسمه أدب المهجر ينوح ويصرخ كآبة وشوقاً إلى الطبيعة في الشرق هرباً من المدنية الأسمنتية والآلية فيقول جبران: أعطني الناي وغني  فألغنا سر الوجود

 وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود

ومع ذلك فإن هذا الأمر يعود إلى سمات الشخص نفسه فالمؤمن الملتزم يعاني ويجاهد في بلاد غير المسلمين بينما من يبحث عن اللهو ربما يكون عكس ذلك توهماً، إذاً فأغلب الأسباب تعود إلى الفرد نفسه وبعضها تعود لظروف مجتمعه كالمجتمع العراقي الذي فرضت على أبنائه الهجرة بصورة مفاجأة دون مقدمات ودون خلفية ثقافية عن الهجرة كالمجتمعات التي توارثت الهجرة وكسبت نصائح وأمثال وحكايات عن الاغتراب،  ولكن ليس القضايا بأكملها تنبع من نفس الفرد أو من مجتمعه فللنفوس المقابلة دور فالمجتمعات تختلف في تقبلها للغريب وهذا يعود لثقافتها ونظمها السياسية والاجتماعية وتجاربها وانطباعها وعلاقتها ببعض الشعوب فهذه ألمانيا أسست فيها جمعيات لطرد الغرباء، وهناك مجتمعات مغلقة ومجتمعات مفتوحة ومجتمعات ديمقراطية وأخرى دكتاتورية.

العلاج:

   عزيزي القارئ لن أطيل ولكن هنا سيكون الاختصار لنقاط شرحت عند ذكر الأسباب ويمكن تحديد النقاط التالية كمساهمة متواضعة لعلاج هذه المشكلة والتخلص من هذه المشاعر المؤلمة:

إذا فهمنا الأسباب الحقيقية وراء عدم توافقنا يكون هذا جزء من العلاج لمشكلتنا فإذا

فهمنا ما يلي:

أ‌-     من الطبيعي أن تختلف المجتمعات في نظمها وقوانينها وعاداتها وقيمها.

ب‌-   إننا نعتقد أن قيمنا جميعها صحيحة وهذا غير صحيح ونحن نعتقد ذلك بسبب ترسخ هذه القيم في نفوسنا منذ نعومة أظافرنا ولم نناقشها منذ ذلك الحين، ولذلك علينا أن لا نتعصب ضد قيم الآخرين بمعيار قيمنا المكتسبة .

ج- إذا كانت بعض قيمنا ثابتة وصحيحة فبالإمكان أن نرفض قيم الآخرين  ولكن لا يعني هذا أن نرفض الآخرين أنفسهم بسبب قيمهم وعاداتهم المعاكسة لنا لأنهم اعتادوا على هذه القيم والعادات وليس لهم ذنب مباشر في تبنيها.

د- عدم ترك تجربة معينة نؤثر على انفعالاتنا لأنها ستؤثر على أفكارنا وتصرفاتنا وسنلجأ دون وعي إلى التقييم الخاطئ والتعميم الذي سينعكس على توافقنا.

هـ علينا النظر إلى الإيجابيات ومكامن الجمال والاستفادة من المجتمع الذي نغترب فيه وهذا من أجل أنفسنا، كما أن بعض ما نراه سلبياً في وقت ما قد نراه إيجابياً في وقت آخر فكن جميلاً ترى الوجود جميلا) ويقول الأمام الشافعي أيضاً:

 تغرب عن الأوطان في طلب العلا    وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريج هم واكتســاب معيشــة   وعلم وآداب وصحبـــة ماجد

و – المرونة وقبول التنازلات عن حقوقنا والتي كنا نجدها كاملة في أوطاننا، لأن من ضمن أسباب تعاستنا وعدم رضانا هو خسارتنا لبعض ما كنا نتمتع به في أوطاننا فنظل نقارن أنفسنا بما كنا نملك وكيف نحن الآن وهذا من طبع الإنسان وإلا  لما أصيب التاجر الخسران بجلطة قلبية عند حدوث خسارة مفاجئة فلو تذكر جيداً انه كان لا يملك المال قبل أن يصير غنياً لما خسر حياته.

ز – البحث عن القواسم المشتركة بين مجتمعنا والمجتمع الذي يستضيفنا  ففي كل الشعوب توجد قواسم مشتركة ونحن كمسلمين يجمعنا قاسم مشترك قوي يشمل جميع جوانب حياتنا وأما الاختلاف فيعود لعادات بسيطة يجسمها الغريب للأسباب النفسية السابقة وغيرها.

ح – كما أننا يجب أن نعرف أننا غرباء في الحياة الدنيا وأن الأرض كلها أرض الله

ونذكر ما ينسب لزيد العابدين بن علي:

ليس الغريب غريب الشام واليمن   إن الغريب غريب اللحد والكفن

إن الغريب له حق لغربته       على المقيمين في الأوطان والسكن

الخاتمة:

    وأخيراً أحب أن أؤكد أن هذا المقال لا علاقة له بما يكتبه الزملاء وإنما أثار مشكلة عالقة تخص معظم الغرباء عن أوطانهم والذين قد يصابون بالاكتئاب وحاولنا إظهار الأسباب متجهين لمحاولة علاج المشكلة في طريقنا الذي لا ينقطع بالبحث عن السعادة عن طريق مكافحة أسباب الضيق والقلق والاكتئاب والله من وراء القصد ونودعكم بقوله تعالى: (إن خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)

البداية

 

 

نعيب زماننا والعيب فينا

عندما تضيق بنا الحياة وغالبا ما تضيق  نتوق إلى مكان آخر غير مكاننا ولكن على الأغلب ما نتوق إلى زمان آخر وهو الماضي

ولهذا لا نعجب من شخص قال قبل مئات السنين يا لهذا الزمان ؟ أين أيام زمان، ولا تسألوا لماذا ضاق المتنبي والمعري وأبو فراس الحمداني من زمانهم وتمنوا العودة إلى الوراء لأن المشكلة ليست في الزمان وإنما المشكلة فينا، نعيب زماننا والعيب فينا   وما لزماننا عيب سوانا

وصحيح أن هناك تغيرات بين جيلين ولكن لا يعني ذلك أن زمن أفضل من زمن حتى وان كنا في عصر التكنولوجيا واختصار المسافات وبنفس الوقت لم يكن الماضي بريء من الهموم والمتاعب فلكل زمان مسراته ومتاعبه، وشعور الناس أن الماضي أفضل خاصة ممن عاصروا جيلين لا يعني بالضرورة أن الماضي أفضل حتى بالنسبة لهم ولكن ما يحدث هو أننا نتذكر الخبرات السارة أكثر من الخبرات غير السارة ولهذا يكون الماضي جميل والطفولة سعيدة كما أن الماضي بالنسبة للإنسان في سن الكهولة يعنى الشباب والصحة والجاذبية الذي ربما فقدها في عمره الحالي، هذا بالإضافة إلى أن التغير في العادات والسلوكيات وانعكاس التغيرات العصرية بصورة عامة لها دور كبير في الشوق لما اعتاده الإنسان المخضرم فالتغيرات السريعة سببا رئيساً في سوء التوافق ولكن أيضاً نعود ونقول أن السبب في كل الأحوال لا يعود للزمن حتى وإن كان هو المتغير ولكن السبب هو الإنسان الذي لا يتوافق مع التغيرات وبالتالي يحكم عليها بالسلبية.

هذا الحديث بصورة عامة يخص معظم الناس فهم يتذكرون المسرات أكثر من المضرات، ولكن توجد فئة قليلة لها ظروفها الخاصة التي تجعلها تحكم على الماضي أنه أسوءا من الحاضر.

ويأتي حكم الناس على الماضي من خبراتهم الخاصة وتفاعلهم مع ظروف زمنهم، لهذا عندما نسأل بعض الناس لماذا الماضي أحسن من الحاضر سنجد إجابات متعددة حسب الخبرة المؤثرة في تاريخه النفسي فقد يركز شخص ما على الجانب المادي وآخر على الجانب العاطفي وآخر على الجانب الاجتماعي الخلقي وآخر على الجانب الشكلي (الموضة) وهكذا حسب نمط الشخصية اهتماماتها.

ولهذا فإننا نحتاج إلى أن تقوم مؤسسات الدولة المختلفة (التربية الإعلام الثقافة ال …) بواجباتها  الإرشادية والخدمية التي تساعد الناس على تقبل التغيرات وتمكنهم وتهيئهم على مواجهتها الذي ينعكس على الرضا العام فالشعور بالمعانها المادية والفكرية تجعلهم يسخطون على زمانهم.

البداية

 

 

رمضان والسعادة

    عزيزي القارئ: اتفقنا في الموضوعات السابقة أن السعادة تمتد في أدناها من الخلو من الضيق والكآبة والقلق … إلى الشعور بالفرح والنشوة والبهجة  واللذة النفسية، ولهذا فمن أسباب التعاسة عدم اهتمامنا بوضع برنامجاً للسعادة فنظل حبيسي روتين يومي قاتل (كجمل المعصرة) وأسرى لحياة رتيبة لا ننفض عن أنفسنا غبارها فنخاف التغير فيستولي علينا الملل الذي يجلب التعاسة،، ومن ضمن

الأسباب أيضا ضعف إرادة الفرد في التحكم في ذاته فينجر وراء ما يخيفه فيلجأ إلى الهروب السلبي والذي يشعره بالنقص والضعف، ومن المنغصات أيضا سؤ علاقة الإنسان بالآخرين الناتجة عن عصبيته وردوده الغليظة وغير ذلك، وشعور الإنسان بالوحدة والخوف من ضعفه أمام الناس، وحتى اضطراب غذاء الإنسان من حيث مواعيده وتوازنه، وسبب واحد من هذه الأسباب أو مجموعها يمثل طريقاً للتعاسة وفي المقابل مجموعة من الأساليب أو أسلوب واحد يعالج الضيق والكآبة بل وينقلنا إلى المتعة المطمئنة الخالية من الشعور بالذنب، فما البرنامج الذي سوف نضعه لك عزيزي القارئ هنا ؟ الحقيقة أن الواضع هنا هو الله سبحانه وتعالى  الذي وضع للإنسان المسكين الغارق في ماديات الحياة برامجاً  منوعة تقيه من الوقوع في الضيق والقلق، أليس الله أعلم بالنفس الإنسانية التي خلقها ؟ والبرنامج الذي نقصده هنا هو شهر رمضان المبارك فكيف يكون شهر رمضان علاجاً نفسياً ؟

سنختصر بعض ما يقدمه هذا لشهر من علاج نفسي في النقاط التالية :

-   تغيير الروتين الحياتي باعث الملل ففيه يكون تناول الطعام ليلاً فقط، ويتحول الليل نهارا وخاصة في بلادنا، وتظهر طقوس موسمية، وأطعمة خاصة بهذا الشهر ارتبطت بالفرحة منذ طفولتنا لأننها تختفي علينا عاما كاملا.

-    الحرمان من الطعام في النهار يجعلنا نتذوق الطعام بلذة تختلف عن تذوقه في الأيام العادية التي تتحول فيها ألذ الأطعمة إلى أداء واجب من أجل البقاء.

-   إن هذا الحرمان يشعرنا بالنعمة التي بين أيدينا والتي لا نراها لأننا غالباً ما نركز على ما ينقصنا وننسى ما نملك من النعم وهذا الشعور بحد ذاته يسعدنا بأننا نملك أشياء لو فقدناها لكان حالنا أسوء، وهنا نقول الحمد لله الذي أعطانا هذا.

-         التغير الفسيولوجي المصاحب لعملية التغيير أيضا ينعكس إيجابا على حالتنا النفسية فنشعر بارتياح غريب.

-    التدريب الإلزامي على الإرادة، وهذا يساعد في القضاء على سبب من أسباب التعاسة وهو ضعف الإرادة الذي يصعب التدريب عليه في الأيام العادية.

-     تسوية العلاقات بين الناس فعبارة (اللهم إني صائم) الساحرة تنعكس على علينا بأشياء كثيرة منها تجنبنا مضاعفات المشاكل التي تحرق أعصابنا، وكذلك تشعر نا برفعة أخلاقنا وأننا نكسب أجرا بصبرنا، بل يعود إلينا من رددنا عليه بهذه العبارة الجميلة  معتذراً  خجولا ((فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم))

-   وأكتفي أخيراً وأولاً بالتقرب من الله سبحانه وتعالى (آلا بذكر الله تطمئن القلوب)) فلا ربما ألهتنا حياتنا المادية قليلا والذي نخاف أن ننسى الله فينسنا أنفسنا، فهذه المناسبة الدينية سوف تنفض أتربة الجفاف الروحي  وترطب القلوب ويتم ذلك عن طريق الصوم والصلاة وقراءة القرآن وخاصة في الجماعة فنسمع الموسيقى واللفظ الجميل والمعنى الذي يصف ويفسر طرق السعادة فالقرآن ينبهنا لكي لا ننسى من  عدم خوف الإنسان من الإنسان لأن الله هو القوي، وما مكتوب علينا  سيصيبنا، وأنه لو اجتمع الأنس والجن على أن يضرونا بشيء لن يضرونا إلا بشيء  قد كتبه الله لنا، وإن الدنيا التي تسبب لنا الضيق لفقدان حاجة ما لا تساوي جناح بعوضة، وبطبيق بهذه الأشياء وغيرها والتي  لا يستطيع مقال واحد أن يستوعبها  تكون عزيزي القارئ الملتزم قد وصلت إلى مرحلة من المتعة الروحية التي تخص رمضان وتشعرك بالطهر والتطهر  والتخفيف من الشعور بالذنب الذي يتعس الإنسان، ولكن قد يشعر بعض القراء أثناء قراءة هذا المقال بالضيق، ويقولون أتعسنا المقال، وهنا يكون السبب أن المقال ذكرهم بتقصيرهم ولكن نقول لهم بكل ثقة لا تيأسوا فأنتم مسلمون وباب العودة إلى الطريق الصحيح السعيد مفتوح لا يغلق فأسماء الله تؤكد ذلك فهو الغفور الرحيم الكريم …، وما عليك إلى أن تنوي من الآن ف (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى …)).

 البداية

 

 

العيد والفرصة الذهبية

     يصنف علماء النفس الناس حسب بعد الانبساط إلى انبساطيين وانظواين، ويمكن أن نصنفهم حسب هذا البعد إضافة لتوزيعهم فيه إلى ثلاثة أنواع النوع الأول كثيرو الانبساط وهم فئة قليلة تتصف بنظرة متفائلة للحياة يحدوها الأمل فترى الجانب الخير في الأشياء وترى في اليوم النهار وأن جن الليل وخافت من الظلام تفكر بقدوم النهار فبعد الليل وإن طال يأتي النهار (فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر)   وتقدم حسن الظن على سؤ الظن، وأما الفئة الثانية فهي فئة المكتئبين الانطوائيين، وهم الذين لا ينظروا في الأشياء إلى أسوأ ما فيها ولا يكادوا يروا مكامن الجمال ولذة الحياة فهم أشبه بالمرضى بالحمى الذين يطعمون الماء العذب مرَ، ولا ترى هذه الفئة في اليوم إلاَ الليل والظلام فإن أشرقت الشمس فكرت في الغروب، وهم سيؤا الظن بالآخرين، ومتشائمون وقد تذكرت صديقاً لي أحبه كثيراً وضع لنفسه يوماً أسماه يوم الشؤم وامتنع عن الخروج من منزله في هذا اليوم، ومع مرور الأيام أصبح يرى كل مصائب الدنيا في ذلك اليوم وفي مرة حصلت مصيبة في يوم الثلاثاء فعندما حاولت أن الفت نظره إليها قال الثلاثاء هو اليوم الذي قبل الأربعاء ومن هذه القاعدة سيكون الخميس هو اليوم الذي بعد الأربعاء ويوم السبت سيكون اليوم الذي قبل الأربعاء بثلاثة أيام وهكذا، وأما النوع الثالث فهم الناس العاديون وهم يتقاربون في نسبة الانبساط والانطواء وهذه الفئة هي التي تمثل أغلب الناس وإذا كانت الفئة الأولى الانبساطية هي التي تتحكم بما حولها فتحيل كل شيئ إلى سعادة وانبساط فان الفئة الثانية الانطوائية أيضا تتحكم فيما حولها فتحيل الأشياء إلى تعاسة واكتئاب، وأما عامة الناس فإن ما حولها هو الذي يتحكم بها على الأغلب فهي تسعد عندما تأتي ظروف خارجية تسعدها وتكتئب عندما تأتي ظروف خارجية تكئبها.

وهاهو البرنامج اللاهي الآخر الذي يجلب لنا السعادة فللصائم فرحتان عندما يفطر في رمضان وعندما يفطر في العيد مبتهجا بإتمام الصيام، ففي العيد فرصة ذهبية تصنع السعادة .

العيد وأنواع الناس:

    ففي العيد نرى أطفالنا في أجمل الثياب ونرى الشوارع والحدائق ترقص فرحاً بورود بشرية تقهقه وتكركر وتتمايل كالأغصان في روض ربيعي، ثم تطرق أبوابنا بأنامل الأصدقاء ونسعد بلقائهم وأقرباء عانينا من انشغالهم عنا بخضم الحياة، وتتجمع الأسر وتلتقي الوجوه الحانقة ((مش وقت ياخي عيد …)) فتصفى القلوب ((فالوجه من الوجه يستحي)) فالعيد طفولة وبراءة وصفاء، فقدسية صفاء النفس الملزم به المسلم يزيل حواجز الخصام بين الناس، كما أن زيارة الأرحام بما يوفره العيد من إجازة في الدوام ومن إلزام يساعد على التزاور يزيل الشعور بالذنب الناتج عن الهجر بسبب الانشغال أو التساهل في الأيام العادية، ونلحظ حتى  المصافحة  في يوم العيد تختلف عن الأيام العادية فهي تحية حارة،  وهكذا  ساعد الله سبحانه وتعالى عباده في خلق السعادة فكيف تتصرف الأنواع الثلاثة من الناس الذين ذكرناهم ؟

ستتغلب السعادة على الناس العاديين بحكم أجواء العيد وطقوسه وإن وجدت بعض المنغصات كقلة المال ونقص في الملبس وو.. وأما الانطوائيين فلا تتغير نظرتهم إلى الحياة كثيراً فهم يتفننون في البحث عن المنغصات ووضع المجهر عليها وإهمال كلما يثير الفرحة أو التقليل من شأنه فالصفاء فبعضهم ينظر إلى الطيبة والتسامح سذاجة، والاهتمام بالحب والخير والجمال مغالطة، وما العيد إلاَ خسارة في المال وبعد إلقاء بالأحباب والأقارب سيكون الفراق وو.ويرددون (عيد بأي وجه عدت يا عيد …)  وأما الانبساطيون فتزداد سعادتهم – ونحن نطمح أن يكون الناس من فئة الانبساطيين ولكن باعتدال ووسطية ضمن فئة الانبساطيين -  والسؤال هنا هل يمكن أن يكون الإنسان الانطوائي انبساطي  ؟ الإجابة بكل ثقة نعم فلم يُخلق الناس انطوائيين وليس من المستحيل أن يغير الإنسان من نفسه (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وإليكم طريقة  بسيطة:

تتلخص هذه الطريقة في النظر للأشياء والتفكير فيها بطريقة تختلف عما تعودت عليه فعندما يفكر وينظر الإنسان مستغلاً أيام العيد أن التسامح شجاعة وقوة وحكمة وليس ضعفا وما شابه ذلك من الأفكار المنتشرة والتي بالطبع خاطئة، وأن التحية والسلام لله وليس للبشر، وإن سلام الإنسان  لمن لا يرد السلام رفعة له وليس العكس،  وأن نقصان المال لا يعني تكديرا لحياة وأن هناك أشياء كثيرة تشيع السعادة في النفس، فالتأمل في مباهج العيد وفي وجوه الأطفال والتقاء الناس في الأحضان تثير السعادة، والنظر إلى من يقيم الناس حسب مظاهرهم وما يملكون أنهم مساكين لا يدركون حقيقة الحياة، كما أن الأهم هو رضا الله أكثر من رضا الناس، كما أن تمثل السعادة يجلب السعادة، والابتسامة في وجوه الناس لا تخسر الإنسان شيئا بل على العكس تنعكس عليه بالسعادة لأن الناس يحبون من يبتسم في وجوههم  وهذا بحد ذاته من أسباب السعادة، وقد يشعر البعض بأنه غير مرغوب من قبل الآخرين وأنه يقيل الظل وقد يكون هذا الشيئ غير صحيح نعم قد يكون له أسباب قديمة لكنه تكون قد انتهت وولت وظلت تلاحق الفرد ملاحقة وهمية فتثير في نفسه العداء للآخرين الذي بدوره ينعكس على تعاملهم معه وفي الأخير يكون الضحية الفرد نفسه، كذلك من جالبات السعادة عدم النظر إلى الغد بتشائم (فتمتع بالصبح ما دمت فيه..) وبما أن الأشياء لها جانبان الأول جميل والآخر كما يعتقد الناس قبيح فانظر إلى الجميل وليس في هذا مغالطة أبداً (كن جميلاً ترى الوجود جميلا...) ولا تكن ممن لا يرون في الأشياء إلاَ أقبحها كمن لا يرى في  الكلب إلاَ نجاسته وفي الهدهد إلاَ رائحته وفي الليل إلاَ ظلامه وفي النهار إلاَ شمسه الحارة والعمل المجهد وفي النحلة إلا لسعها وفي الحمار إلاَ نهيقه وفي المشيخ إلاَ ضعفه وأخيراً وفي الناس إلا عيوبهم  … الخ.

البداية

 

 

خطوات مختصرة لمواجهة الضغوط:

إذا فشلت في تغيير الموقف، أو إذا شعرت بأن تغيير الظروف والبيئة المشحونة بالضغوط والتوترات أمر واقعي ومن الصعب أو من المتعذر عمله ففيما يلي بعض القواعد لمعايشة الضغوط والتغلب على نتائجها السلبية ومعالجتها.

معالجة الضغوط ومواجهتها أولاً فأولاً، لأن تراكمها يؤدي إلى تعقدها وربما تعذر حلها.

1- اجعل أهدافك معقولة، فليس من الواقعي أن تتلخص من كل الضغوط والأعباء تماماً من حياتك.

2- الاسترخاء في فترات متقطعة يومياً.

3- الإقلال بقدر الإمكان من الانفعالات والمشاعر السلبية كالعدوانية، والغيرة، وتعلم طرقاً جديدة للتغلب على الغضب والانفعال.

4- محاولة حل صراعات العمل أو الأسرة بأن تفتح مجالاً للتفاوض، وتبادل وجهات النظر، دون غبن بالآخرين، وبنفسك.

5- تحسين الحوادث مع النفس،أي الحوار الإيجابي مع النفس وتجنب تفسيرك للأمور بصورة كارثية مبالغ فيها.

6- تكوين دائرة من الأصدقاء والمعارف الذين يتميزون بالود ولطف المعاشرة، وتجنب هؤلاء الذين يميلون إلى النقد، والتصارع.

7- أن توسع من اهتماماتك، وتوسع من مصادر المتعة، وتنوع من خبراتك في السفر والتعارف والقراءة.

8- وزع الأعباء الملقاة على عاتقك، وتعلم طرق تنظيم الوقت.

9- تمهل، وهدئ من سرعتك وإيقاعك في العمل.

10- تعلم أن تقول (لا) للطلبات غير المعقولة.

11- وازن بين احتياجاتك الخاصة للصحة، والراحة ووقت الفراغ والترفيه وبين تلبيتك لمتطلبات الآخرين وإلحاحاتهم.

12- الاتجاه الصحي واللياقة البدنية بما في ذلك.

 - الرياضة واللياقة البدنية.

 - النظام الغذائي المتوازن، والمناسب لظروفك الصحية ولعمرك.

 - الراحة البدنية.

 - العادات الصحية الطبية بما فيها تجنب التدخين واللجوء للأخصائيين إذا ما تطلب الأمر.

 - احم نفسك جيداً من مشكلات البيئة كالتلوث، والضجيج، واستنشق الهواء الجيد.

  البداية

 

 

لو همينا العصافير ما زرعنا دخن

كثيرة هي حجرات العثرة، وكثيرون أعداء النجاح لأسباب مختلفة منها التهافت على المصالح المادية والمطامع والحسد والغيرة فالحاسد رغبته الأولى والأخيرة هي أن تزول النعمة منك أي أن تتخلى عن نجاحك لكي تسلم من لسانه ومكره ومؤامراته، فهل تتخلى عن نجاحك لكي ترضي الحاسد ؟ بالطبع لا، بإمكانك أن تساعده  لكي ينجح لعله يخفف من حسده من باب عمل الخير وتعديل سلوك الآخرين لكن لا تتخلى عن نجاحك لكي يرضى بل ستسير في طريق الخير والنجاح دون أن تتعثر بلسان السفهاء، وقالوا قديما: (القافلة تسير والكلاب تنبح) فالخيرون قافلتك وهم كثيرون يرافقوك الدرب ويشاركوك بعضهم تراهم وبعضهم لا تراهم ولكنهم يروك، ولن تقلقك مكايد ومؤامرات الحساد لأنك تؤمن بأنه لو اجتمع الأنس والجن على أن يضروك بشي فلن يضروك بشي  إلا بشيئ قد كتبه الله لك.

كما أنك قادر عليهم بكل تأكيد لأن خيوطهم أوهى من خيوط العنكبوت والله معك وهو القائل: ((ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وبعض الحساد أعداء الحياة يحتاجون إلى صبر أو عدم الاهتمام بهم وتناسيهم (طنش تعيش) بينما هو يلتهب بناره ويذكرنا قول شاعرنا:

 فاصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله      فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

ولكن مهما تكاثر الحساد  فهم كغثاء السيل  وقل لهم كما قال الشابي:

وأقول للجمع الذين تجشــــموا       هدمي وودوا  لو يخر بنائي

ومضوا يمدون الخوان ليأكـــلوا       لحمي ويرتشفوا عليه دمائي

إن المعاول لا تهد مناكبـــــي       والنار الا تأتي على أعضائي

فارموا إلى النار الحشائش والعبـوا        يا معشر الأطفال تحت سمائي

 البداية

 

 

كبرها تكبر صغرها تصغـر

الزمان السادسة مساء المكان على شاطئ الإسكندرية كنت وصديقي مسترخيان على كرسيين وأمامنا طاولة بها كوبان من الشاي وبقايا المكسرات متناثرة على الطاولة والرمل يتخلل أصابع الأقدام فينعش القدم ونسمة باردة تمسح أمواج البحر المتوسط الناعمة فتسرح شعر البشر  وتورد رئاتهم ، ولون الغروب  شعر من ذهب يلون جبين صديقي.

فكان كل شيء جميل وأجمل من الجمال وفجأة يرمي صديقي جسده على المقعد ويجر خصرة ثم يخرج زفراه متقطعة ويتحول جبينه الذهبي إلى أحمر مائلاً ًإلى السواد ممتزجا بلون البحر الذي غلبه الزمن حيث تحول لونه الأزرق الغامق مع قليل من الاحمرار إلى أسود داكن حيث أصبحت الساعة السابعة.

فسألته ما بك ؟ ألم تكن قبل قليل في منتهى السعادة والانتعاش ؟ فأجاب تذكرت أعمال كان يجب أن أقوم بها، فقلت مثل ماذا ؟ قال مثل كذا وكذا، قلت إنها أشياء تافهة مقابل ما تستمتع به الآن، ثم قلت له أتتذكر كم من المرات وأنت تتأوه وتزفر مثل هذه الزفرات، صمت قليلا ثم قال طول حياتي وأنا أتذكر أشياء واشعر بألم في صدري لأني لم أنجزها، قلت له إذا عشت حياتك كلها تأوهات وزفرات وألم، قال نعم، قلت له لا أقول لك أن تترك أعمالك ولكني أقول لك أن لا تبالغ وتجعل حياتك جحيما حاول أن تعمل ما تستطع عمله وإن قصرت  لا تشعر بالألم لأن لا فائدة مما تعانيه واستمتع الآن برحلتك وذكرت له حكاية صغيرة،كان مختصرها:

أن صديقان كانا متلازمان في حياتهما مع بعض، درسا سويا وتوظفا في عمل واحد وكانا يخرجان مع بعض يوميا، وذات يوم دعا الأول الثاني للخروج فقال له انه مشغول فعاد الأول ولم يخرج وكرر الدعوة ثانية اليوم التالي ولكن الثاني أصر على عدم الخروج بحجة أنه مشغول فجاء إليه اليوم الثالث وقال له اليوم ستخرج  مجبراً وستخرج معي لمرة واحدة فقط ثم لا تخرج بعدها فوافق الثاني فأخذه إلى مقبرة وقال له أنظر إلى كل هؤلاء جمعيهم ماتوا ولم ينتهوا من أشغالهم.

­تبسم صديقي وقال أقنعتني بسهولة، فانتشيت وشعرت بقليل من الفخر فأكملت حديثي، هل سمعت قول المتنبي ؟:  وتكبر في عين الصغير صغارها    وتصغر في عين الكبير العظائم

قال نعم،  قلت فهل تريد أن تكون صغيراً ؟ أم عظيماً ؟ قال فهمت، قلت أتعلم أن هناك من كبُر أشياء تافه إلى حرب طالت عشرات السنين زهقت فيها أرواح الأبرياء قديما مثل حرب داحس والغبراء وحرب البسوس وحديثا كالحرب العراقية الإيرانية أطول حرب في العالم الحديث.

قال والخلاصة قلت: (عقلك براسك تعرف خلاصك) تريد أن تجعل حياتك جحيما كبر الصغائر بأي حجة تريد مثل حجة (لابد من وضع أهمية للأشياء ولكي ننجح مثلاً)، قال وهل هذا خطأ ؟ قلت لا اقصد أن لا تهتم ولكن لا تبالغ إلى درجة الألم لأن الدنيا كلها لا تساوي جناح بعوضة والحياة زائلة زائلة ((الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر))  فلم يبقى من العمر أكثر من الذي راح فتيقظ ولا تكن غافلا عش حياتك بهدوء ودع الحياة تمر بجوارك لا تخترقك.

قال وخلاصة الخلاصة، قلت كبرها تكبر  صغرها تصغر

البداية